تضع الهجمات الحوثية على الساحل الغربي في اليمن، مدينة المخا في صدارة المعادلة الأمنية والعسكرية المرتبطة بالبحر الأحمر.
يأتي ذلك في ظل موقع المدينة القريب من مضيق باب المندب، والذي يجعلها نقطة ارتكاز مهمة في منطقة يتقاطع فيها الصراع المحلي مع حسابات السيطرة والنفوذ في أحد أكثر الممرات البحرية في العالم أهمية.
وفي تصعيد غير مسبوق، شنّ الحوثيون، أمس الأحد، موجات متتالية من الهجمات على المخا، جنوب غربي محافظة تعز، باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية والزوارق المفخخة، ضد منشآت حيوية ومناطق مأهولة بالسكان، ما أسفر عن سقوط قتلى مدنيين وأضرار مادية كبيرة.
ولا تبدو كثافة الهجوم والأسلحة المستخدمة فيه منفصلة عن القيمة الجغرافية والعسكرية للمدينة الواقعة على مسافة نحو 65 كيلومترًا من باب المندب، وسط نطاق جغرافي يتحكم في أحد الممرات البحرية الأكثر أهمية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتكمن أهمية المدينة في كونها تقع داخل منظومة ساحلية مؤثرة في أمن الملاحة، بما يمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على تثبيت حضور عسكري متقدم ومراقبة قطاع مهم من الساحل، فضلًا عن مواجهة عمليات التهريب المتصاعدة، الأمر الذي يجعلها ذات قيمة تتجاوز حدود محافظة تعز.
ومنذ القدم، ارتبط اسم المخا بالتجارة البحرية الدولية، مع بلوغ مينائها القديم ذروة شهرته في القرن الخامس عشر للميلاد، كمركز رئيس لتصدير أجود أنواع البن اليمني والزبيب والبخور إلى مختلف أرجاء العالم، قبل أن يتراجع دور المدينة الساحلية مع صعود الموانئ الخاضعة للإدارة البريطانية والعثمانية في عدن والحديدة.
وخلال السنوات الماضية من عمر النزاع الداخلي، تحوّلت المخا إلى مركز رئيس للقوات المشتركة التي تضم تشكيلات عسكرية متعددة، ما رسّخ موقعها كقاعدة متقدمة لإدارة العمليات وتأمين الشريط الساحلي، في مفارقة جديدة منحتها بعدًا إضافيًا مع التقاء قيمتها التاريخية والتجارية القديمة مع أهميتها الجيوسياسية الحديثة، لتصبح إحدى أكثر مدن الساحل الغربي ارتباطًا بتحولات الصراع في البحر الأحمر.
وتتضاعف أهمية المخا الاستراتيجية مع استمرار بقائها منطقة تمثّل وجودًا عسكريًا متقدمًا للقوات الحكومية قرب باب المندب، الأمر الذي يحول دون امتداد نفوذ الحوثيون جنوبًا على طول الساحل الغربي للبلاد، ويحرمها من تعزيز قدرتها على فرض تهديدات بحرية أكثر حدّة في مياه البحر الأحمر.
وأعادت التوترات والتهديدات المتلاحقة حول الممرات والمضائق البحرية تعريف القمية الحيوية للساحل اليمني، وجعلت المناطق المشرفة على ممرات الملاحة الدولية، جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن التجارة العالمية، وسلاسل إمداد الطاقة، وانتشار القوات البحرية الدولية.
في المقابل، تعدّ المخا هدفًا ذا أولوية بالنسبة للحوثيين، في ظل المساعي المتواصلة لرفع مستوى فاعلية العمليات البحرية وتقليص فترات استجابة القوات البحرية الدولية المنتشرة في المنطقة، عبر السيطرة على مواقع ذات أهمية استراتيجية أكثر قربًا من المضيق، أملًا في تعويض عدم قدرتها على تنفيذ إغلاق شامل لباب المندب.
وبناءً على هذه المعطيات، يمكن قراءة التصعيد الأخير باعتباره جزءًا من استراتيجية الضغوط الميدانية المتزايدة التي تحاول من خلالها الميليشيا تفجير الوضع العسكري في البلاد وعودة الحرب على نحو شامل، استجابة لرغبة حليفتها إيران في توسيع نطاق الحرائق التي تشهدها المنطقة.
فيما تفتح طبيعة الهجمات وحجمها الباب أمام احتمال آخر، يتمثل في كون الضغط العسكري مقدمة لاختبار قدرة القوات المدافعة عن المدينة، واستكشاف نقاط الضعف في تحصيناتها ودفاعاتها، تمهيدًا لمحاولة تحقيق مكاسب ميدانية أكبر خلال الفترة المقبلة.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
19:49
رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل: لا نقاش بأي موضوع آخر قبل الانتهاء من ملف سلاح حزب الله
-
19:49
المرشد الإيراني للعميد وحيدي: أنتظر توسيع نطاق الإدارة والقيادة القائمة على البنية العلمية في كل المستويات التنظيمية
-
19:49
بعد تعيينه نائباً للقائد العام لحرس الثورة الإسلامية المرشد الإيراني يوجه رسالة إلى اللواء مصطفى إيزدي
-
19:48
ترامب: أصدرت توجيهات للمفاوضين بطرح دفع إيران تعويضات لعائلات من قتلتهم خلال 50 عاما في أي مفاوضات مستقبلية
-
19:48
المرشد الإيراني للعميد أحمد وحيدي: أنتظر تحقيق الارتقاء الشامل للقدرات بهدف تحقيق أقصى درجات الردع والجاهزية ضد العدو
-
19:42
ترامب: ينبغي دفع تعويض لعائلات مئات آلاف المتظاهرين الأبرياء الذين قتلتهم إيران على مدار الـ50 عاما الماضية
