اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تسلط صحيفة "هآرتس" الضوء على مفارقة صادمة تشهدها "إسرائيل" تحت ظل الحكومة الحالية، حيث يصطدم التطور التكنولوجي الفائق وأدوات الذكاء الاصطناعي بعودة غير مسبوقة لأشكال بدائية من العنف. إذ ترصد الصحيفة كيف أُضيفت طريقة جديدة من العنف ضد الفلسطينيين، من حرق للممتلكات وسرقة وأساليب عقاب لا تهدف فقط إلى تعميق الاحتلال، بل تُستخدم كأداة سياسية تحوّل "إسرائيل" إلى دولة دينية مستبدة.


وتشير الصحيفة إلى أن أمرا غريبا يحدث في دولة الشركات الناشئة. فالسجون التي يتم في هذا العصر تأمينها من قبل منظومات تكنولوجيا متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وعلى الطائرات المسيرة، أصبحت فجأة تحيط نفسها بخنادق مليئة بالتماسيح. لم تعد الرادارات وأجهزة الاستشعار التحت أرضية كافية لمنع هرب السجناء، أصبحت هناك حاجة إلى عناصر قمعية. في الضفة الغربية تزداد شدة آليات السيطرة اليومية، المتمثلة في نقاط التفتيش والجدران وعمليات القتل المستهدف، في ظل الحكومة الحالية، مع ظهور أعمال دموية على شاكلة ما جاء في الكتب المقدسة، تشمل إتلاف المحاصيل وسرقة الأغنام وإحراق البيوت (أحياناً مع سكانها) مع ضرب بالعصي واللكمات.


السؤال بحسب "هآرتس": ما الغاية من هذا العنف الوحشي المفرط في دولة مليئة بآليات القمع المتطورة والفعالة؟ العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين غير جديد، هو متأصل في الاحتلال. ولكن الطبقة الجديدة من العنف التي أضيفت إليه مخالفة بشكل جوهري العنف العادي والتسلسل التاريخي. ففي الحروب الحديثة في الغرب، استبدل القتال المباشر إلى درجة كبيرة بالقنابل التي تلقى من الطائرات والصواريخ العابرة للقارات، ويتحول تحديد الأهداف بالتدريج من البشر إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وموقف الغرب من الجريمة يبتعد عن العقاب الجسدي المبالغ فيه (مثل قطع يد اللص، الشنق، التعذيب في ساحات المدن) لصالح إعادة التأهيل في السجون. العنف لا يتناقص، كما علمنا فوكو، لكنه يغير شكله. فالتقدم التكنولوجي يتيح قمع عواقبه القاسية، التي تصبح غير ملموسة، وأحياناً مخفية عن الأنظار ويصعب إدراكها.


تفسير تراجع أسلوب العنف هو الشعبوية. فدعاية بن غفير تقوم على تحويل آليات القمع إلى عروض استعراضية. إضافة إلى الإعدام شنقاً، يعرض على الجمهور تجويع السجناء وتدمير البيوت على نطاق واسع. في أفلام الفيديو التي ينشرها، نشاهده يتجول بوقاحة، أحياناً بجانب جرارات السلطة، وأحياناً بين صفوف السجناء المكبلين، ومرة أخرى وهو ينظر داخل زنزانة في سجن أمني، بغطرسة، وهو يشرح للمعاقبين سبب استحقاقهم لذلك. العين بالعين، مثلما كان في السابق.


تشجع الحكومة على العنف الإرهابي اليهودي في الأراضي المحتلة، ليس فقط لتعزيز قمع الفلسطينيين وتثبيط عزيمتهم ودفعهم إلى الهجرة، بل أيضاً لأن أساليب العنف المعتادة لم تعد كافية. ما كان في السابق ميزة سمحت لأغلبية الجمهور الإسرائيلي باستبعاد استخدام العنف وتبرير ذلك لأسباب أمنية، تحول في هذه الحكومة إلى عيب وكأن الإبادة والانتقام في غزة وروتين الاحتلال أمور لم تعد كافية. يتنافس الوزراء فيما بينهم لتقديم حل أقرب إلى الحلول الدينية للقضية الفلسطينية. وهذه أيضاً طريقة أخرى لتعميق الانقسام، لأنها للأسف، وخلافاً للعنف الاستعراضي وآليات العنف المؤسسية في الأراضي المحتلة، نادراً ما تثير أي انتقاد في المجتمع الإسرائيلي. والتدهور إلى العنف الاستعراضي يمنح الحكومة ميزة أخرى؛ فهو يتماشى مع طموحها إلى تحويل "إسرائيل" إلى دولة دينية مستبدة. ويتوافق الأسلوب الديني مع فكرة دولة الشريعة. واستعراضات العنف من قبل الحاكم تسير جنباً إلى جنب مع الأنظمة الشمولية. ومن خلالها، تتعود القاعدة الشعبية على رسالة تفيد بأن سلطة الحاكم مفرطة واستعراضية، وأنه فوق القانون والعدالة. انظروا إلى مسدس أيالا بن غفير الجديد باللون الذهبي: هو موضة الطغاة.

الأكثر قراءة

مفاوضات «إسرائيل» تفجّر الاشتباك في الداخل «الحزب» يهاجم الحكومة... والراعي يتمسّك بخيار الدولة