اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تفرض الحرب الأميركية الإيرانية ضغوطًا متزايدة على أسواق الطاقة والمال، وسط تساؤلات بشأن المسار الذي قد تتجه إليه المواجهة، وما إذا كانت ستبقى في إطار الحصار والضغط العسكري، أم تتطور إلى تصعيد أوسع يهدد حركة التجارة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويرى تحليل نشرته مجلة "فوربس" أن الخيارات الأميركية في مواجهة إيران تبدو محدودة بين ثلاثة مسارات رئيسة: الحصار، أو التراجع، أو الغزو، مع ترجيح استمرار سياسة الضغط والحصار باعتبارها الخيار الأقل تكلفة مقارنة بخوض حرب برية شاملة.

بحسب التحليل، يمثل الحصار الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لواشنطن، إذ يسمح بمواصلة الضغط على إيران دون الانخراط في حرب برية واسعة النطاق، مع محاولة إعادة توجيه تدفقات النفط بعيدًا عن نقاط الاختناق التي يمكن لطهران التأثير فيها، وعلى رأسها مضيق هرمز.

ويكتسب هذا السيناريو أهمية خاصة بالنسبة للأسواق؛ لأن استمرار اضطراب الملاحة في الخليج قد يؤدي إلى إعادة رسم مسارات نقل النفط، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، مع بقاء تأثير الصراع على أسعار الطاقة مرهونًا بمدى استمراره واتساع نطاقه.  وفي المقابل، قد يؤدي استمرار الحصار إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على إيران، خصوصًا إذا طال أمد القيود على صادراتها النفطية وقدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية. أما انسحاب الولايات المتحدة من المواجهة، فيُنظر إليه باعتباره سيناريو أقل ترجيحًا، وفق التحليل، بسبب التداعيات السياسية والاستراتيجية المحتملة. فالتراجع قد يُفسَّر في طهران باعتباره فرصة لإعادة تنظيم القدرات العسكرية وتصعيد الضغط على المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. كما أن الفوضى التي قد تنجم عن انسحاب مفاجئ قد تدفع واشنطن إلى العودة إلى المواجهة في وقت لاحق وبكلفة أكبر.

ويطرح هذا السيناريو أيضًا تساؤلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، إذ يرى التحليل أن استمرار الصراع دون حسم قد يترك الباب مفتوحًا أمام إيران لتعزيز قدراتها النووية، بما يزيد تعقيدات الأمن الإقليمي والدولي. يُعد الغزو البري لإيران السيناريو الأكثر خطورة؛ نظرًا لحجم البلاد وتعقيد تضاريسها وقدراتها العسكرية، فضلًا عن الكلفة البشرية والاقتصادية التي قد تترتب على حرب طويلة. ويرى التحليل أن أي عملية برية واسعة تحتاج إلى استعدادات عسكرية ضخمة وإشارات واضحة قبل تنفيذها، مشيرًا إلى أن غياب هذه المؤشرات حتى الآن يجعل احتمال الغزو الشامل أقل ترجيحًا.

كما أن حربًا طويلة قد تحمل تداعيات سياسية داخل الولايات المتحدة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، في ظل صعوبة الحفاظ على دعم شعبي لحرب واسعة ومكلفة. لكن التصعيد قد يأخذ شكلًا مختلفًا من خلال اليمن، حيث يمكن أن تتحول مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران إلى جزء من استراتيجية أوسع لتأمين طرق بديلة لنقل النفط والسلع في حال استمرار اضطراب الملاحة في الخليج.

وقد يتضمن ذلك دعمًا أميركيًّا لتحركات عسكرية سعودية ضد الحوثيين، في محاولة للحد من تهديداتهم للممرات البحرية وإرسال رسالة إلى طهران بأن واشنطن مستعدة لتوسيع نطاق الضغط العسكري إذا استمر التصعيد. ومن شأن فتح جبهة إضافية في اليمن أن يزيد مخاطر المنطقة على شركات الشحن وأسواق الطاقة، لكنه في الوقت نفسه قد يكون جزءًا من محاولة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز باعتباره ممرًّا رئيسًا لصادرات النفط الخليجية. بالنسبة إلى المستثمرين، يخلص التحليل إلى أن استمرار قوة الاقتصاد والسوق الأميركيين يمثلان أولوية استراتيجية لواشنطن، خصوصًا في ظل تصاعد التنافس الاقتصادي مع الصين والمواجهة العسكرية مع إيران.

ومن هذا المنظور، يرى التحليل أن الأصول الأميركية، وعلى رأسها مؤشر "ستاندرد آند بورز 500"، قد تكون الخيار الأكثر وضوحًا للمستثمرين الذين يراهنون على قدرة الاقتصاد الأميركي على تجاوز تداعيات الصراع.

لكن الأسواق قد تظل عرضة لتقلبات حادة في حال اتساع الحرب أو تعرض إمدادات الطاقة العالمية لاضطرابات كبيرة. وقد تستفيد بعض الأصول، مثل الذهب، من ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة، بينما قد تشهد الأصول عالية المخاطر، بما فيها بعض أسهم التكنولوجيا والعملات المشفرة، تحركات أكثر حدة.

في السياق، تكشف الحرب الأمريكية الإيرانية أن المخاطر الجيوسياسية باتت عاملًا مباشرًا في قرارات الاستثمار، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

وبينما يظل الحصار السيناريو الأكثر ترجيحًا وفق هذا التحليل، فإن أي انتقال إلى مواجهة أوسع في الخليج أو اليمن قد يرفع مستوى المخاطر على الاقتصاد العالمي والأسواق.

وفي النهاية، لا تتعلق المعركة العسكرية وحدها بمستقبل إيران والشرق الأوسط، بل ترتبط أيضًا بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على قوتها الاقتصادية وأسواقها المالية في مواجهة واحدة من أكثر الأزمات الجيوسياسية تعقيدًا في السنوات الأخيرة.

الأكثر قراءة

جولة التفاوض تترنح... لا جديد في ايلول؟ «العين» على الجلسة التشريعية...هل يمر العفو وقانون الاعلام؟