اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تقف القارة الأوروبية، أمام واحدة من أصعب المعضلات الاستراتيجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث تحول نظام الدفاع الجوي "باتريوت" من مجرد سلاح دفاعي إلى "عملة نادرة" تتصارع عليها الجبهات.

فالقارة التي تعهدت بحماية أوكرانيا باتت عاجزة اليوم عن تلبية طلباتها من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، فيما تقف دولها الكبرى وعلى رأسها ألمانيا أمام معضلة مباشرة: إنقاذ كييف أم حماية أراضيها هي؟ 

"نحن نصل فعلياً إلى حدودنا"

في تصريح لافت بعد قمة الناتو بأنقرة، قال العميد الألماني يورغن شرودل، أحد كبار مسؤولي وزارة الدفاع الألمانية، في جلسة نقاشية ببرلين نقلتها مجلة "بوليتيكو": لقد بلغنا حدودنا القصوى هنا. علينا أيضاً أن نضمن حماية أنفسنا". 

هذه الجملة تُلخّص المعضلة الألمانية. برلين زوّدت أوكرانيا بثلاث منظومات "باتريوت" كاملة وأعلنت عزمها إمدادها باثنتين إضافيتين، لكنها الآن مضطرة، وفق تعبير "بوليتيكو" إلى "الموازنة بين احتياجات كييف المُلحّة والحد الأدنى من المخزون اللازم لحماية ألمانيا نفسها والوفاء بالتزاماتها تجاه الناتو".

وما يزيد من تعقيد المشهد هو التزام ألمانيا بمهمات الناتو الأخرى، ففي أيار 2026، أعلنت وزارة الدفاع الألمانية عن نشر بطارية باتريوت و150 جندياً في تركيا (كجزء من تدوير قوات الناتو) لحماية الجناح الجنوبي للحلف. 

هذا النشر، الذي يستمر حتى أيلول 2026، سحب المزيد من الموارد المحدودة أصلاً، مما جعل برلين أمام مأزق صعب من طلبات كييف المتكررة للحصول على بطاريات إضافية.

نتقاتل حرفياً على كل صاروخ

على جبهة القتال وصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها الوضع بعبارة قاسية نقلتها "كييف بوست": "نحن نتقاتل حرفياً على كل صاروخ". 

من جهته أكد وزير الدفاع الأوكراني السابق، ميخايلو فيدوروف، الأسبوع الماضي أنه خلال الأشهر القليلة الماضية " أطلقت روسيا علينا أسبوعياً صواريخ أكثر مما نتلقاه من شركائنا على مدى شهور".

وفي تموز، اعترضت الدفاعات الجوية الأوكرانية 29 صاروخاً باليستياً روسياً فقط من أصل 195، بينما فشل 40 صاروخاً آخر في الوصول إلى أهدافها، وفقا لوزارة الدفاع الأوكرانية. 

من يملك مخزونات باتريوت.. ومن يستطيع التخلي عنها؟

تواجه بولندا وإسبانيا واليونان ضغوطاً متزايدة لتوفير صواريخ "باتريوت" لأوكرانيا، ولا سيما من طرازيPAC-3  وPAC-2 اللذين يمثلان إحدى الوسائل القليلة الفعالة في التصدي للصواريخ الباليستية الروسية. 

وفي تموز، أكدت وارسو أنها أفرجت عن صواريخ «PAC-3»، بعد طلبات من الأمين العام لحلف الناتو مارك روته وكبار القادة العسكريين الأميركيين. وأفاد موقع «ديفينس 24» بأن بولندا نقلت خمسة صواريخ.

وأثار القرار انتقادات من نواب المعارضة الذين اتهموا الحكومة بإضعاف دفاعات البلاد، في وقت سبق أن عبرت فيه صواريخ ومسيّرات روسية حدودها.

أما إسبانيا، فأكد رئيس وزرائها بيدرو سانشيز في 2024 إرسال صواريخ إلى أوكرانيا، من دون الكشف عن نوعها أو عددها.

واشنطن.. لا اتفاق إنتاج قبل الشتاء

في المقابل يُضيف موقع "كييف بوست" بُعداً أخر للأزمة: صواريخ PAC-3 و PAC-2 تُنتجها حصرياً "لوكهيد مارتن" و"رايثيون" في الولايات المتحدة، ولا يوجد حل سريع في الأفق، خاصة في ظل التقارير التي تحدثت عن نفاد مخزون الصواريخ الأمريكية بسبب حرب إيران. 

ألمانيا تسعى لاستضافة أول خط إنتاج أوروبي مخصص، بالشراكة بين "رايثيون" و"MBDA" الأوروبية، لكن أولى الشحنات من هذا المشروع لن تصل قبل مطلع 2027. 

وحتى الترخيص الذي وعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوكرانيا لتصنيع صواريخ "باتريوت" محليًا، خلال قمة أنقرة، يواجه عقبة غير متوقعة.

فقد كشفت مجلة "ذا أتلانتيك" أن شركتي "رايثيون" و"لوكهيد مارتن" تقاومان هذا التوجه رسميًا بذريعة حماية الملكية الفكرية، لكن مسؤولًا جمهوريًا في الكونغرس قال إن المخاوف الحقيقية تتمثل في احتمال إنتاج المصنعين الأوكرانيين نسخة أسرع وأفضل وأقل تكلفة من المنظومة الأميركية.

البديل الأوكراني لم يُثبت قدرته بعد

وأمام هذا الوضع، تسعى أوكرانيا لتقليل اعتمادها على الإمدادات الغربية عبر تطوير نظامها الخاص "فريا"، الذي تتولى شركة "فاير بوينت" الأوكرانية للصناعات الدفاعية تطوير وتصنيع هذا السلاح بمساعدة أوربية.

لكن موقع "ناشونال سيكيوريتي جورنال" يؤكد أن النظام "ليس بديلاً مطابقاً لباتريوت ولم يُثبت بعد قدرته على اعتراض صاروخ باليستي واحد".

وأن أوكرانيا تأمل تحقيق "نتائج ملموسة" بحلول مطلع 2027، وهو ما لا يعني وفق التقرير وصول النظام لمرحلة التشغيل الكامل أو الإنتاج الضخم. 

وفي ظل ضيق الوقت بالنسبة إلى كييف، لم تعد القضية بالنسبة إلى برلين والعواصم الأوروبية مجرد قرار بشأن حجم الدعم الذي يمكن تقديمه لأوكرانيا، بل أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على حماية أمنها الجماعي، ومساندة كييف في الوقت نفسه، دون أن تتحول مساعدة طرف إلى نقطة ضعف استراتيجية للطرف الآخر.


الأكثر قراءة

جلسة تشريعية ساخنة وخلافات بالجملة عون يحسمها: خيارنا التفاوض... هل تكسر زيارة كليرفيلد المراوحة؟