اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نشرت صحيفة «فايننشال تايمز» تقريرًا، قالت فيه إن موجات الرحيل عن "إسرائيل" تزايدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بفعل الضغوط المالية والنفسية والاجتماعية التي تسببت بها حروب "إسرائيل" في غزة ولبنان وإيران.

وقالت الصحيفة إن جوناثان، البالغ من العمر 30 عامًا، تردد في مغادرة "إسرائيل"، إلا أن الضغوط المتزايدة بسبب الحرب وشعوره بأن مستقبله سيكون في الملاجئ هربًا من الصواريخ التي يطلقها أعداء "إسرائيل"، دفعته إلى اتخاذ قرار الرحيل مع عائلته إلى الولايات المتحدة، لينضم بذلك إلى أكثر من 150 ألف "إسرائيلي" غادروا خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتقول الصحيفة إن موجة الهجرة تغذت من سياسات حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المثيرة للجدل ومحاولة إصلاح القضاء، ما أدى إلى أعمق أزمة داخلية في تاريخ "إسرائيل"، قبل أن يأتي هجوم حماس في 7 تشرين الأول، ليوسع نطاق الحرب من غزة إلى لبنان واليمن ثم إيران.

وتشير دراسة أجرتها مصلحة الضرائب "الإسرائيلية" الأسبوع الماضي إلى ارتفاع أعداد المهاجرين من ذوي الدخل المرتفع، ما زاد المخاوف من هجرة العقول التي قد تلحق، في حال استمرارها، ضررًا كبيرًا باقتصاد "إسرائيل".

ومع أن نسبة "الإسرائيليين" الذين غادروا خلال هذه الفترة لا تعد كبيرة بالمعايير الدولية، فإن هذه الموجة تعتبر غير مألوفة للغاية بالنسبة إلى "إسرائيل"، وقد كان لها تأثير واضح بالفعل. فإضافة إلى انخفاض الهجرة إليها، أدى هذا النزوح إلى تحول صافي الهجرة إلى "إسرائيل" إلى السالب في عامي 2023 و2024، وهو أمر لم يحدث سوى ثلاث مرات خلال القرن الماضي. ويتوقع محللون أن تكون الأرقام الإجمالية للعام الماضي، التي لم تعلن بعد، سالبة أيضًا.

وتشير دراسة مصلحة الضرائب "الإسرائيلية" إلى ارتفاع أعداد المهاجرين من ذوي الدخل المرتفع، ما أثار مخاوف إضافية بشأن هجرة العقول، التي قد تلحق، إذا استمرت، أضرارًا كبيرة باقتصاد "إسرائيل" القائم على التكنولوجيا، وماليتها العامة، وحتى جيشها.

وقال سيرجيو ديلا بيرغولا، الأستاذ الفخري في الجامعة العبرية بالقدس: «هذه هي المرة الأولى منذ مئة عام التي نشهد فيها عجزًا مستمرًا في الإيرادات [لسنوات متتالية]»، مشيرًا إلى حالات سابقة لمرة واحدة في عشرينيات القرن الماضي، قبل تأسيس "إسرائيل" عام 1948، ثم مرة أخرى في خمسينيات القرن الماضي. وأضاف: «لذا، فهذا وضع استثنائي بكل المقاييس».

وتقول الصحيفة إن الهجرة ظلت جزءًا من هوية "إسرائيل"، وشكلت 65% من النمو السكاني خلال الفترة بين 1948 و1960. ومع تراجعها منذ ذلك الحين، ظلت تشكل نحو 20% من النمو السكاني خلال العقدين الماضيين.

ولفترة طويلة، تعرض المهاجرون من "إسرائيل" لوصمة اجتماعية وألقاب مهينة. ففي سبعينيات القرن الماضي، وصف رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين المهاجرين بـ«المنبوذين أخلاقيًا» و«الساقطين بين الضعفاء»، بل و«حثالة الأرض».

وكان المعنى الضمني لمن يهاجر، بحسب أليكس واينريب، مدير الأبحاث في مركز تاوب، وهو مركز أبحاث مقره القدس: «لن تشاركوا في هذه التجربة العظيمة لإعادة بناء وطن يهودي لأول مرة منذ ألفي عام، ما أنتم؟ خونة للقضية؟».

وبين "الإسرائيليين" العلمانيين والليبراليين، الذين شهدوا انحدار المجتمع نحو اليمين في ظل حكومات نتنياهو المتعاقبة، تتجلى مخاوف عميقة بشأن مسار "إسرائيل".

ومع مرور الوقت، تراجعت الوصمة الاجتماعية، إذ تراجع رابين عن تصريحاته في تسعينيات القرن الماضي، وبدأ عدد متزايد من "الإسرائيليين" بالهجرة إلى الخارج. لكن الموضوع لا يزال شديد التسييس.

فعندما نشر أكاديميون من جامعة تل أبيب دراسة هذا الشهر تقدر استمرار ارتفاع معدلات الهجرة حتى عام 2025، استغلها سياسيون معارضون لمهاجمة الحكومة.

وكتبت ميراف كوهين، من حزب الوسط «يش عتيد»، على منصة «إكس»: «لقد وعدوا بأن سكان غزة سيهاجرون طواعية. لكن في النهاية، شجعت حكومة 7 أكتوبر الهجرة الطوعية من "إسرائيل"».

وقدرت دراسة جامعة تل أبيب، التي استبعدت الوافدين الجدد الذين أقاموا في "إسرائيل" لأقل من ثلاث سنوات، أن 100 ألف شخص غادروا "إسرائيل" في عامي 2023 و2024، وأن ما بين 45 ألفًا و50 ألفًا آخرين غادروا العام الماضي.

وأشارت الصحيفة إلى تعدد العوامل التي تدفع إلى الهجرة، لكن قلة من الباحثين في هذا المجال يشككون في أن الاستقطاب السياسي الحاد في "إسرائيل"، وثلاث سنوات من الحرب المتواصلة التي دمرت خلالها القوات "الإسرائيلية" غزة وجنوب لبنان، وأطلقت حماس وحزب الله وإيران آلاف الصواريخ على "إسرائيل"، لعبت دورًا مهمًا في موجة الهجرة الحالية.

وارتفعت أعداد المهاجرين مع انطلاق ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف في محاولة مثيرة للجدل للحد من صلاحيات القضاء مطلع عام 2023، ما أشعل أكبر موجة احتجاجات في تاريخ "إسرائيل". ثم قفزت أعدادهم بشكل حاد بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول، حيث غادر 14 ألف شخص في ذلك الشهر وحده.

وأجرت ليلاخ ليف آري، عالمة اجتماع الهجرة والديموغرافيا وأستاذة في كلية أورانيم، دراسة نوعية خلال عامي 2024 و2025 شملت 71 "إسرائيليًا" هاجروا إلى الولايات المتحدة.

وأعرب المشاركون في الدراسة عن مخاوفهم بشأن المناخ الاجتماعي والسياسي في "إسرائيل"، ولا سيما في أعقاب الإصلاحات القضائية التي جرت عام 2023.

لكن بين "الإسرائيليين" العلمانيين والليبراليين، الذين شهدوا انحدار المجتمع نحو اليمين في ظل حكومات نتنياهو المتعاقبة، تتجلى مخاوف عميقة بشأن مسار "إسرائيل".

ويرى كثيرون في هذا المعسكر أن انتخابات تشرين الأول، التي ستضع ائتلاف نتنياهو مع الأحزاب المتطرفة والمتدينة في مواجهة معارضة أكثر تنوعًا سياسيًا، ولكنها علمانية في معظمها، ستكون لحظة حاسمة لمستقبل "إسرائيل".