اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نظّم "مدى الكرمل" في حيفا داخل أراضي 48، طاولة مستديرة لعرض ومناقشة نتائج استطلاع رأي عام بعنوان "الجريمة المنظمة والعنف: تصورات ومواقف الجمهور العربي الفلسطيني"، تناول تصورات الجمهور الفلسطيني في الداخل للجريمة والعنف، وأسباب تفشيهما، ودور الدولة والشرطة، والشعور بالأمن والأمان في الحياة اليومية، والاستعداد للمشاركة في الاحتجاج، إلى جانب تأثير الجريمة والعنف في التفكير في الهجرة وترك البلاد.

وافتتحت الطاولة المستديرة الدكتورة عرين هواري، المديرة العامة لـ"مدى الكرمل"، مؤكدة أهمية الاستطلاع بوصفه خطوة ضمن مسار بحثي يسعى المركز من خلاله إلى تطوير معرفة معمقة بظاهرة الجريمة والعنف في المجتمع الفلسطيني، تتجاوز التعامل معها بوصفها ظاهرة جنائية هامشية، وتبحث في تقاطعاتها مع الجندر والهوية وغيرها من العوامل، وتعنى بالبعد التطبيقي.

وأشارت هواري إلى أن نتائج الاستطلاع تشكل قاعدة لدراسات مستقبلية أكثر عمقًا بشأن الظاهرة وتحولاتها وتداعياتها الاجتماعية والسياسية.

بعد ذلك، قدم الدكتور خالد عنبتاوي، الباحث في "مدى الكرمل"، الإطار المفاهيمي والمرجعي الذي انطلق منه الاستطلاع، مستعرضًا مقاربة المركز لدراسة الجريمة والعنف بعيدًا عن التفسيرات الثقافوية التي تحيل الظاهرة إلى خصائص داخلية في المجتمع العربي، وبعيدًا عن المقاربات التي تختزلها في "إهمال الدولة" للمجتمع العربي بوصفه أقلية مهمشة داخل أغلبية.

وطرح، في المقابل، الحاجة إلى نزع الاستعمار عن المعرفة بشأن الجريمة والعنف، والنظر إلى الظاهرة بصورة علائقية تدرس تقاطع سياسات الدولة "الإسرائيلية" وأنماط حضورها وغيابها وممارسات الضبط السياسي والاجتماعي من قبلها، مع التحولات الاقتصادية والبنى الاجتماعية واستجابات المجتمع الفلسطيني نفسه.

وأشار عنبتاوي إلى أن الجريمة المنظمة تجاوزت البعد أو النشاط الجنائي وحده، وباتت شبكة من العلاقات المشتبكة مع حياة الناس اليومية والديناميات المحلية، وشكلًا من أشكال السلطة والحوكمة محليًا.

ويأتي ذلك في ظل ارتفاع حوادث القتل بما يقارب 270% خلال أقل من عشر سنوات، ووصول معدل جرائم القتل بين الفلسطينيين في الداخل إلى مستويات مرتفعة عالميًا، في المرتبة الثامنة على الصعيد العالمي، إلى جانب اتساع الظاهرة وتعدد أبعادها، من خلال التدخل في أسواق غير قانونية، مثل قروض السوق السوداء، وفرض الإتاوة "الخاوة"، والتأثير في مناقصات وعطاءات السلطات المحلية، وغيرها من مجالات الحياة اليومية.

وحسب "مدى الكرمل"، من هذا المنطلق، تصبح دراسة الجريمة مدخلًا أيضًا لفهم التحولات الأوسع في العلاقة بين المجتمع والدولة والسوق، وتجاوز الثنائيات المبسطة في التوصيف بين "حضور الدولة" و"غيابها"، وكذلك بين "استثمارها" و"إهمالها".

وعرضت بعد ذلك نتائج الاستطلاع الرئيسية التي أظهرت صورة مركبة لمواقف الجمهور. وأشارت النتائج إلى أن تفسير الأزمة لا يتركز في عامل واحد، وإنما يجمع بين المسؤولية المرتبطة بالدولة وأداء الشرطة وعوامل مجتمعية واقتصادية.

كذلك أظهرت النتائج أن 85% من المستطلعين يعتقدون أن الدولة قادرة على الحد من انتشار السلاح إن أرادت ذلك، وهو ما يشير إلى الفجوة القائمة بين تصور الجمهور لقدرة الدولة وأدائها الفعلي في مواجهة الجريمة.

وفي ما يتعلق بالحلول، برز تأييد مرتفع لرقابة الأهل بنسبة 87%، وتطبيق القانون وجمع السلاح بنسبة 82%، مقابل تأييد أقل لفكرة زيادة عدد أفراد ومحطات الشرطة، بنسبة 54%، بوصفها حلًا قائمًا بذاته.

وتناول الاستطلاع تأثير الجريمة والعنف في الحياة اليومية والشعور بالأمان، والاستعداد للمشاركة في الاحتجاجات المناهضة للجريمة. وأظهرت النتائج أن 58% من المستطلعين يخشون التواجد في الأماكن العامة خلال ساعات الليل، وأن 61% يتجنبون اصطحاب الأطفال إلى أماكن معينة بسبب الخوف، فيما يخشى 50% وقوع أحد أفراد العائلة في أيدي السوق السوداء.

وفي المقابل، أظهرت النتائج أن الخوف وانعدام الأمان لا يتحولان بصورة تلقائية إلى استعداد للاحتجاج، إذ يبقى الاستعداد للمشاركة منقسمًا ومشروطًا، مع إبداء 52% استعدادهم للمشاركة في نشاطات احتجاجية ضمن شروط معينة.

كذلك كشفت النتائج عن امتداد آثار الأزمة إلى تصورات الجمهور للمستقبل، إذ أفاد 27% بأنهم فكروا في الهجرة إلى بلاد أكثر أمانًا.

وتبدو نتائج البحث المتعلقة بالشعور بالأمان الفردي والأسري مقلقة بشكل بالغ. فبينما أشار الرجال بنسب عالية إلى أنهم يفتقرون إلى الشعور بالأمان، وهو في حد ذاته أمر لافت ويقتضي تحليلًا إضافيًا، تظهر النسبة أعلى لدى النساء.

فعلى سبيل المثال، بينما يخشى 49% من الرجال التواجد في الأماكن العامة ليلًا، ترتفع النسبة لدى النساء إلى 66%. كذلك هو الشأن في ما يتعلق بتجنب الذهاب إلى أماكن معينة مع الأطفال، حيث يخشى ذلك 58% من الرجال و66% من النساء.

ثم قدم الدكتور امطانس شحادة، الباحث في "مدى الكرمل"، تحليلًا معمقًا للعلاقات والتقاطعات بين مجموعة من المتغيرات في الدراسة، من بينها الهوية السياسية والوطنية، والتصويت الحزبي، والجندر والموقع الجغرافي والاجتماعي.

وأظهر التحليل أنه رغم وجود فروق طفيفة بين تصورات بعض الفئات، ثمة اتجاهات ومواقف واسعة تتقاطع بين شرائح اجتماعية وسياسية وهوياتية مختلفة، وهو ما يشير إلى أن الجريمة والعنف باتا أزمة عامة تتجاوز الانقسامات أو العوامل الداخلية المختلفة في المجتمع الفلسطيني.

كذلك أظهرت المقارنات تشابهًا في معظم المؤشرات المتعلقة بتصور دور الدولة والشرطة وتواطئها وعلاقتهما بانتشار الجريمة، والتصورات والتجربة الفردية للأمن والأمان، والتفكير في الهجرة وتغيير مكان السكن.

وأكد النقاش أهمية مواصلة البحث في الجريمة والعنف بوصفهما ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية مركبة، لا تنفصل عن أنماط الحكم وعلاقات القوة والتحولات التي يشهدها المجتمع الفلسطيني وعلاقته بالمؤسسة "الإسرائيلية"، بما يسهم في تطوير معرفة نقدية وأدوات عملية لمواجهة الجريمة والعنف.

وشمل الاستطلاع عينة ممثلة للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، ضمت 456 مستطلعًا ومستطلعة، وراعى تمثيلها التوزيع الجغرافي والديني والجيلي والجندري.

الكلمات الدالة