واشنطن تستبعد التدخل العسكري في كوبا وتختار "الخنق" الاقتصادي

20 آب 2026 الساعة 17:23
واشنطن تستبعد التدخل العسكري في كوبا وتختار "الخنق" الاقتصادي
A- A+

أشارت تقديرات داخل البيت الأبيض إلى استبعاد الخيار العسكري ضد هافانا في الوقت الراهن، مقابل تبنّي سياسة «الخنق» المالي والاقتصادي للضغط على الحكومة الكوبية.

وتتداخل في هذا الملف تعقيدات تاريخية وحسابات جيوسياسية ومحاذير لوجستية، تدفع الاستراتيجية الأميركية نحو اعتماد عقيدة عسكرية لإدارة الصراع واستنزاف الخصم، بدلًا من تفجيره أو الانخراط في مواجهة مسلحة مباشرة.

ويشير المتابعون للشأن الأميركي إلى أنّه ومنذ أزمة الصواريخ الكوبية لعام 1962 وترسيخ التفاهمات الضمنية بعدم غزو الجزيرة مقابل تفكيك البنية التحتية الصاروخية السوفيتية، استقرت العقيدة العسكرية الأميركية على إدارة الصراع عبر أدوات العقوبات والاستخبارات دون الانزلاق لنزاع مسلح قد يتسبب في ردود فعل غير منتظرة سواء في أميركا اللاتينية أم من قبل حلفاء هافانا التاريخيين والمتمثلين في روسيا والصين.

وتكشف المصادر الإعلامية والسياسية الأميركية المطلعة أنّ التقدير الراجح حاليًا في البيت الأبيض يكمن في وجود فرق كبير بين فنزويلا وكوبا، الأمر الذي يصعب معه استنساخ نموذج "ليلة الثالث من كانون الثاني 2026"، أي ليلة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.


كابوس أمني

ويتوافق الفاعلون في البيت الأبيض على مجموعة من النقاط التي تجعل من قرار الحسم العسكري في كوبا، مؤجلًا أو معلّقًا إلى إشعار لاحق.

ومن بين أهمّ الأسباب يكمن غياب البديل السياسي الجاهز، فعلى الطرف النقيض من فنزويلا تعاني كوبا من غياب معارضة منظمة قادرة على تسلم السلطة، ما يجعل أي سقوط للنظام الحالي مقدّمة للفوضى العارمة والفراغ الأمني الذي يلزم واشنطن بإدارة شؤون الجزيرة.

هذا بالإضافة إلى انعدام وجود خيارات مقبولة أميركيًا من داخل النظام الكوبيّ، فكافة البدائل التي تمّ استقراؤها خلال الفترة الأخيرة، تعاني من ضعف في الشرعية السياسية وفي المقبولية لدى الدوائر العسكرية والاستخباراتية الكوبية.

غير أنّ السبب الأهم الذي يجعل واشنطن تستبعد الخيار العسكري ضدّ هافانا، فيتمثل في القرب الجغرافي الشديد لكوبا من السواحل الأميركية الجنوبية، حيث يقع الأرخبيل الكوبي على بعد 90 ميلًا بحريًا فقط من شواطئ فلوريدا، وأي اضطراب عسكري واسع ستنتج عنه موجات نزوح جماعي، وهو كابوس أمني وسياسي تحرص إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تجنبه.

كل ما سبق يدفع واشنطن إلى أن تتبنى خيار "الإنهاك" عبر تجفيف منابع الطاقة والتدفقات المالية، وتسخين الجبهة الداخلية ضدّ منظومة الحكم، دون انخراط عسكري في المشهد الكوبي المعقد.

وحسب مراقبين للشأن اللاتيني، فإنّ هذا التقدير لا يعني أبدًا أنّ واشنطن تستبعد الخيارات العسكرية ضدّ كوبا بشكل كامل، بل يعني أنّها لا تضعها في مقدّمة خياراتها الاستراتيجية وضمن أولويات التعامل والتعاطي، غير أنّ هذا المعطى قد يتغير بمقتضى الأوضاع الجيوسياسية والتقلبات الممكنة في موازين القوى في منطقة الكاريبي.



خريطة طريق

ويتوافق هذا التقدير، مع التوصيات التي أصدرها "معهد سياسة أميركا أولًا" لإدارة ترامب في كيفية التعامل مع الملف الكوبي.

حيث دعا المعهد، الذي يمتلك نفوذًا واسعًا وتربطه بدوائر اتخاذ القرار في البيت الأبيض روابط وثيقة، إلى فرض وجود عسكري أميركي قرب سواحل الكاريبي.

وتأتي هذه الدعوة في إطار خريطة طريق استراتيجية تتألف من 12 توصية تهدف إلى تشديد الضغط الشامل على النظام الكوبي، الذي يعتبره المعهد "تهديدًا نشطًا للأمن القومي الأميركي".

ووفقًا للتقرير الصادر عن المعهد تحت عنوان "الدكتاتورية المجاورة: كوبا والصراع على النصف الغربي من الكرة الأرضية"، والذي أعدته الباحثة ماليسا فورد مالدونادو، لا تطالب الخطة بإنشاء قواعد عسكرية جديدة ضخمة، بل تركز على تخصيص قوات دائمة ومستقرة تابعة للقيادة الجنوبية للجيش الأميركي (SOUTHCOM).

وتشمل هذه القوات وحدات بحرية، وجوية، واستخباراتية، وسيبرانية، بالإضافة إلى حرس الحدود وقوات العمليات الخاصة، بدلًا من الاعتماد على التدوير المؤقت للقوات.

ويهدف هذا الانتشار إلى رفع كفاءة الاستجابة السريعة للأزمات، وتوسيع حقوق الطيران والمراقبة، لمواجهة ما وصفه التقرير بالتمدد والنفوذ المتزايد لروسيا والصين وإيران في المنطقة، إلى جانب مكافحة شبكات تهريب المخدرات.


خيارات مقترحة

ويرى التقرير الاستراتيجي أن كوبا تمر حاليًا بأشد لحظات ضعفها الاقتصادي والسياسي منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، مشيرًا إلى أزمات الطاقة المتكررة، والانقطاع المستمر للكهرباء، والهجرة الجماعية، وتراجع الإمدادات النفطية الهامشية.

وأشار التقرير إلى أن المتغيرات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها التطورات في فنزويلا والانخفاض الحاد في شحنات النفط المكسيكي، تسببت في تفاقم أزمة الوقود داخل الجزيرة الكاريبية.

ولا تتوقف مقترحات المعهد عند الأبعاد العسكرية والأمنية، بل تشمل حزمة من التوصيات السياسية والاقتصادية، من بينها، تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية على هافانا، وتعزيز إجراءات مكافحة التجسس، والحد من التعاون الكوبي مع القوى المناهضة لواشنطن، وربط أي مسار لتقريب العلاقات أو التطبيع بمطالب صارمة في مقدمتها إجراء انتخابات حرة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإجراء إصلاحات مؤسسية شاملة، واستخدام أدوات الإعلام الحديثة لإيصال المعلومات إلى الداخل الكوبي، مع الإبقاء على الخيار العسكري كأداة ردع متوفرة في الملاذ الأخير.

وعلى الرغم من أن هذه التوصيات تتطابق مع التوجهات العامة لوزارة الخارجية الأميركية، إلا أنها تظل في الوقت الراهن مقترحات صادرة عن مراكز الفكر والتخطيط الاستراتيجي المقربة من البيت الأبيض، وتنتظر القرارات التنفيذية الرسمية من الإدارة الأميركية.




Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration