
في ظلّ التحوّل المتسارع الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات، تبرز سينتيا مرهج، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للمحاسبة والتدقيق والمالية، في طليعة المهتمين بتطوير هذا المجال وتمكين المهنيين من أدواته.
وفي هذا الحوار، نتناول مستقبل المهنة، والمهارات المطلوبة، وأبرز تحديات إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات، إضافةً إلى فرص الجيل الجديد في سوق العمل. فكيف ستتغيّر المحاسبة والتدقيق في السنوات المقبلة؟ وأين سيكون دور الإنسان في هذا التحوّل؟
- أطلقتِ مبادرات لتدريب المتخصصين في المحاسبة والتدقيق على أدوات الذكاء الاصطناعي؛ ما المهارات التي يجب أن يكتسبها اليوم ليبقى قادرًا على المنافسة في سوق العمل المستقبلي؟
نحن في AIKIT LB لا نبني دورات منفصلة، بل منظومة تمكين للمهنيين في المحاسبة والتدقيق في لبنان والمنطقة. وأول ما نقوله في كل برنامج: المهارة ليست "تعلّم الأداة". الأدوات تتغيّر كل بضعة أشهر، ومن يبني مستقبله على أداة واحدة سيجد نفسه يبدأ من الصفر في كل مرة. المهارة الحقيقية هي أن تعرف كيف تصوغ المشكلة. أغلب النتائج الضعيفة التي أراها سببها سؤال سيء، لا نموذج سيء. بعدها تأتي ثلاث طبقات: فهم البيانات، من أين أتت، كيف رُتّبت، وأين الثغرات فيها. ثم القدرة النقدية على مراجعة المُخرَج ورفضه؛ الذكاء الاصطناعي يجيبك بثقة كاملة حتى حين يكون مخطئًا، ومن لا يعرف المادة أصلًا لن يلتقط الخطأ. وأخيرًا الحوكمة: سرّية بيانات العميل، وتوثيق ما استخدمته وكيف، لأن ورقة العمل يجب أن تبقى قابلة للتدقيق.وتبقى الأساسيات المحاسبية شرطًا لا بديل عنه. لا يمكنك مراجعة عمل لا تفهمه.
- ما أكثر خطأ ترتكبه الشركات عند إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالها المالية، وما النصيحة التي تقدّمينها لتجنّب هذه الأخطاء؟
أن تبدأ من الأداة لا من العملية. تشتري اشتراكًا، توزّعه على الفريق، ثم تنتظر النتائج. وبعد ثلاثة أشهر يُقال إن "الذكاء الاصطناعي لم ينجح عندنا"، بينما ما لم ينجح هو غياب التصميم. الخطأ الثاني، والأخطر ماليًا وقانونيًا: إدخال بيانات حساسة إلى أدوات لم تُدرَس سياسات حفظها للبيانات. وهذا ما يقلقني أكثر من غيره في المؤسسات التي أعمل معها؛ سياسات حماية البيانات لدى كثير منها ما زالت في طور النضوج. نصيحتي بسيطة وغير مثيرة: اختاروا عملية واحدة متكرّرة وعالية الحجم. عرّفوا شكل "النتيجة الصحيحة" قبل البدء. اتركوا إنسانًا مسؤولًا عن المراجعة والتوقيع. وثّقوا. ثم وسّعوا.الشركات التي تتعامل مع الأمر كمشروع تغيير تنجح. أما فالتي تتعامل معه كعملية شراء لا تنجح.
- لو عدنا إلى بداية مسيرتك المهنية، هل كنتِ ستختارين المسار نفسه في ظلّ الثورة الحالية في الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا؟
نعم، وبثقة أكبر مما كانت لديّ حينها. في الحقيقة أنا اتخذتُ هذا القرار فعلًا: انتقلتُ إلى تدقيق تقنية المعلومات والتحليلات منذ عام ٢٠١٤، في وقت لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي حديث السوق ولا عنوانًا في المؤتمرات. كان قرارًا يبدو للبعض حينها ابتعادًا عن المسار "الآمن" في المهنة.ما تعلّمته من تلك السنوات أن التقنية وحدها لم تكن كافية. ما جعلها ذات قيمة هو أنني بقيتُ داخل المهنة، أفهم ورقة العمل، وأفهم ما الذي يقنع لجنة التدقيق. المدقّق الذي يفهم البيانات مختلف تمامًا عن خبير بيانات يحاول أن يفهم التدقيق، والفارق يظهر في اللحظة التي يجب فيها إصدار حكم مهني. ما كنت سأغيّره؟ شيء واحد: كنت سأحوّل هذه المعرفة إلى نموذج قابل للتوسّع أبكر. بقيتُ سنوات أطبّقها داخل فرق مغلقة قبل أن أفكّر في بنائها كمنظومة تصل إلى المهنة كلها، وهذا تحديدًا ما أعمل عليه اليوم مع AIKIT LB.
- ما الرسالة التي توجّهينها إلى طلاب المحاسبة والمالية الذين يشعرون بالقلق من أن الذكاء الاصطناعي قد يأخذ فرصهم في سوق العمل؟
قلقكم ليس ساذجًا، ولن أطمئنكم بكلام مريح غير دقيق. إن الأعمال الروتينية التي كانت تُسنَد تقليديًا إلى المبتدئين هي فعلًا الأكثر عرضة للأتمتة، وهذا يعني أن السلّم الذي صعدناه نحن يتغيّر شكله. لكن الذكاء الاصطناعي لا يتحمّل مسؤولية. لا أحد يوقّع تقرير تدقيق باسم نموذج لغوي. الحكم المهني، والمساءلة أمام لجنة تدقيق، وفهم سياق العميل، هذه تبقى بشرية. عمليًا: أتقنوا الأساسيات المحاسبية أولًا، ثم أضيفوا طبقة البيانات والذكاء الاصطناعي فوقها. الميزة اليوم ليست في أن تكونوا الأسرع في إنجاز مهمة، بل في أن تصلوا إلى مرحلة الحكم المهني أبكر ممّن سبقكم.
- اذا نظرنا إلى السنوات الخمس المقبلة، كيف تتوقعين أن تتغيّر مهنة المحاسبة والتدقيق، ومن هم الأكثر استعدادًا للاستفادة من هذا التحوّل؟
أتوقّع ثلاثة تحوّلات، وأقولها كتوقّع لا كيقين. من العيّنة إلى المجتمع الكامل: اختبار المعاملات كلها بدل عيّنة منها لم يعد تحديًا تقنيًا، بل صار مسألة جاهزية. من الدوري إلى المستمر: رقابة تعمل طوال السنة بدل موسم تدقيق مكثّف. ومن الإعداد إلى التفسير: وقت المهني ينتقل من تجميع الأرقام إلى شرح معناها.
أما الأكثر استعدادًا فليسوا بالضرورة الأكبر حجمًا. هم من يجمع بين عمق معرفي حقيقي في المهنة وطلاقة في التعامل مع البيانات. لاحظتُ أن المكاتب الصغيرة أحيانًا أسرع في التبنّي، ببساطة لأن قرارها أقصر.
والفئة الأكثر تعرّضًا للخطر؟ من يعرّف نفسه بالمهام التي ينفّذها، لا بالحكم الذي يقدّمه.










/file/attachments/2392/ce588b3c-406c-47b4-a667-d0755ef35acc_197551.jpg)
دقيقتين قراءة/file/attachments/2392/da069c84-0aff-4276-858b-1d8a5f8c1984_197375.jpg)
/file/attachments/2392/97d8b18f-7356-4444-8def-73fc59b4ef37_638536.jpg)
/file/attachments/2391/878772.jpg)
/file/attachments/2391/9bda9975-4c50-4b7f-a4d7-decad0b75ff6_858862.jpg)
/file/attachments/2390/03346592-80ce-4027-a4d8-277db46d47501_603657.jpg)






