"وول ستريت جورنال": لماذا يصعب على ترامب "تركيع" إيران اقتصادياً؟

"وول ستريت جورنال": لماذا يصعب على ترامب "تركيع" إيران اقتصادياً؟
A- A+

نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريرا اشارت فيه الى إن الكثير من المعوقات تقف أمام حملة الرئيس دونالد ترامب لتركيع إيران اقتصاديا.

فـ"يوم النصر الاقتصادي" الذي كشفت عنه إدارة ترامب الأسبوع الماضي يهدف إلى إجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة المفاوضات، لكن تجربة العقوبات الغربية والضغوط الاقتصادية على الأنظمة الاستبدادية مثل كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وسوريا تظهر التحديات التي تواجه واشنطن في محاولتها إخضاع طهران لإرادتها.

ولطالما استخدمت الأنظمة الواقعة تحت نير العقوبات الأمريكية مزيجا من العنف والتكيف الاقتصادي والقمع السياسي، بشكل مكنها من الصمود في وجه الصعوبات الاقتصادية لسنوات، إن لم يكن لعقود.

وعادة ما تدفع العقوبات النشاط إلى العمل السري، مما يخلق أسواقا سوداء مزدهرة للسلع والخدمات وحتى للأفراد.

كما يستخدم الديكتاتوريون الضغط الخارجي لحشد شعوبهم، وبخاصة النخب. وقد اعتمدت الحكومة في كوبا على أبناء وطنها في الخارج لجلب الغذاء والدواء، حتى مع تصعيد واشنطن ضغوطها على هافانا. وتعزز كوريا الشمالية مواردها المالية بسرقة العملات المشفرة، بل وتستدرج الأمريكيين للعمل لديها في الشركات الأمريكية. أما روسيا، فقد حولت مسار تجارتها نحو الصين وقوى أخرى غير غربية.

وبالمقابل لدى طهران التي وصفت الحملة الأمريكية بـ”الإرهاب الاقتصادي”، تجربة تمتد على عقود في التكيف مع العقوبات. وقد نما حجم تجارتها مع الدول التي تشترك معها في حدود برية. كما أنشأت إيران نظاما ماليا موازيا بالكامل مع الصين، متجاوزة النظام المصرفي الذي تقوده الولايات المتحدة، مضعفةً بذلك قدرة واشنطن على فرض العقوبات.

ونقلت الصحيفة عن جواد صالحي أصفهاني، الخبير الاقتصادي في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا قوله: “إن قدرة الولايات المتحدة على إلحاق الضرر أمر مفروغ منه وأعتقد أن هذه الضغوط لن تفضي إلى مزيد من الضغط على الحكومة الإيرانية للتنازل”.

وأحيانا يتطلب الأمر عملا عسكريا مباشرا لإزاحة الخصوم، كما حدث عندما ألقت القوات الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في كانون الثاني أو عندما أجبرت قوات المعارضة في سوريا الرئيس السابق بشار الأسد على التنحي عن السلطة في كانون الأول 2024.

ولا شك أن هناك بعض النجاحات التي تحققت على مر العقود. فقد أُطيح بالرئيس النيكاراغوي دانيال أورتيغا في انتخابات عام 1990 بعد عقد من العقوبات التي ألحقت ضررا بالغا بالاقتصاد، على الرغم من أنه عاد لاحقا إلى السلطة ولا يزال يمارسها حتى اليوم. كما تخلت جنوب أفريقيا عن نظام الفصل العنصري بعد ضغوط اقتصادية عالمية شديدة. وقامت ليبيا بتفكيك برنامجها النووي في عام 2003 وسط عقوبات قاسية.

ومع ذلك يرى الخبراء أن العقوبات الاقتصادية يجب أن تقرن بمسار سياسي. ويقول آرون أرنولد، الخبير السابق في لجنة الأمم المتحدة المعنية بمراقبة إنفاذ العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية، إن الضغط الاقتصادي يجب أن يقترن بحملات دبلوماسية لتضييق الخناق على أي نظام استبدادي. وأضاف أرنولد، الذي يعمل حاليا في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن: “قد لا تكون هذه الأدوات وحدها هي الأكثر فعالية”.

وتعتبر إدارة ترامب بأن التحركات ضد إيران، والتي أطلق عليها اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي" أكبر هجوم مالي يشن على الإطلاق ضد خصم للولايات المتحدة. وقد تجاوز التضخم في إيران 80%، ما دفعها إلى تبني اقتصاد قائم على الكفاف.

وفرضت الولايات المتحدة حظرا على كوبا لأكثر من ستة عقود. ومع تصاعد الضغوط من جانب إدارة ترامب، تدهور الاقتصاد الكوبي، حيث يعاني السكان من انقطاع التيار الكهربائي ونقص الغذاء. إلا أن كبار المسؤولين، بمن فيهم الرئيس ميغيل دياز كانيل، ظلوا متشبثين بموقفهم رغم تهديدات ترامب بـ"استيلاء ودي" على الجزيرة. وفي مقابلة حديثة مع وسائل إعلام برازيلية، قال دياز كانيل بأن حكومته لن تقدم أي تنازلات، وأنها لا تخشى الوقوع في الأسر، كما حدث مع مادورو. وقال: “إن جاءني، فليأت”.

وتراقب هافانا، التي تعلم أفرادها من جهاز المخابرات السوفييتي (كي جي بي) وجهاز أمن الدولة الألماني (شتازي) خلال الحرب الباردة، السكان والمدارس والنقابات ووسائل الإعلام عن كثب لرصد أي معارضة وقمعها.

أما كوريا الشمالية فتعاني ومنذ عقود من أشد العقوبات في العالم، والتي تهدف إلى إجبار قادتها على التخلي عن برنامجها النووي والصواريخ بعيدة المدى.

وفي الماضي، كان الضغط الاقتصادي شديدا لدرجة أن بيونغ يانغ أبدت استعدادها للتضحية ببرنامجها النووي مقابل تخفيف الأعباء. لكن الوضع تغير الآن.

واليوم يحكم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون دولةً وجدت كل السبل للبقاء، بل والازدهار، اقتصاديا.

ففي السنوات الأخيرة، نشرت بيونغ يانغ قوات على خطوط المواجهة الروسية مقابل دفعات مالية، وأنشأت جيش نخبة من خبراء الأمن السيبراني القادرين على سرقة مليارات الدولارات من العملات المشفرة.

وفي الفترة الأخيرة، رفض كيم دعوات ترامب للقاء، قائلا بأن أمام الولايات المتحدة خيارين: " التعايش السلمي أو المواجهة الأبدية" مع نظامه.

وتعامل الزعيم الكوري الشمالي مع الضغوط الدولية من خلال دعوة شعبه على ترشيد الإنفاق.

وفي الحالة الروسية، فقد أثارت العقوبات الشاملة المفروضة على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا عام 2022 توقعات عالية بالنجاح، بما في ذلك من الرئيس آنذاك جو بايدن، الذي زعم أن الاقتصاد الروسي سينخفض ​​إلى النصف. لكن على عكس المتوقع، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 1.4% فقط في تلك السنة الأولى، ثم تعافى بوتيرة سريعة.

وبعد مرور أكثر من أربع سنوات، لا يزال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محكما قبضته على السلطة، ولا يبدو أنه سيخفف من حدة هجومه على أوكرانيا. وفي خطاب ألقاه أمام المشرعين في أواخر تموز، سخر بوتين من العقوبات ووصفها بأنها عديمة الجدوى. وقال: "نحن نضع أهدافًا للريادة التكنولوجية، وعلى الرغم من غرابة الأمر، فإننا نحقق النتائج التي نحتاجها، على الرغم من كل هذه القيود الخارجية".

وفي حالة كل من فنزويلا وسوريا فقد عانتا من أزمات مالية حادة جراء حملة العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة. لكن في النهاية، تطلب إسقاط القيادة ظروفا استثنائية وقوة عسكرية.

فقبل اعتقاله، صمد مادورو نحو سبع سنوات في وجه العقوبات الاقتصادية والمالية. وخلال ولاية ترامب الأولى، وسعت واشنطن بشكل كبير شبكة العقوبات التي سعت إلى معاقبة نظام مادورو، المتهم بتزوير الانتخابات والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المتفشية. وقد فر أكثر من ثمانية ملايين فنزويلي، أي ربع السكان، خلال فترة حكم مادورو.

وصنفت وزارة الخزانة الأمريكية، أكثر من 200 من مساعدي مادورو وشخصيات عسكرية على القائمة السوداء في محاولة لتفكيك النظام، لكنها فشلت. بل على العكس، أدى هذا إلى تماسك مادورو وحاشيته. وانكمش الاقتصاد بنسبة تقارب 75%، وهو أعمق انكماش شهده العالم خارج أوقات الحرب. وظل مادورو متمسكا بالسلطة حتى اقتحمت القوات الأمريكية الخاصة مجمعه.

ويقول مسؤولون من واشنطن وكاراكاس، في أحاديث خاصة، إن رفع العقوبات وتشجيع الشركات على العودة كان صعبا، مما أدى إلى تأخير الانتعاش الاقتصادي وزيادة صعوبة مهمة خليفة مادورو، ديلسي رودريغيز، في الحفاظ على الاستقرار. وفي سوريا، فرضت الولايات المتحدة عليها عقوبات عام 1979، شملت تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، مما قيد الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة العالمية والوصول إلى النظام المالي العالمي. وفي نهاية المطاف، تزامن سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 مع أحداث جيوسياسية استثنائية.

فبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، انشغل داعماه الدوليان الرئيسيان، روسيا وإيران، بحروب أخرى. وكان لبنان المجاور يعاني من انهيار اقتصادي امتد إلى سوريا. وظل الأسد في السلطة حتى شنت قوات المعارضة هجوما في أواخر عام 2024 وحينها انهار الدعم له، حيث ألقى بعض جنود الحكومة أسلحتهم وخلعوا بزاتهم العسكرية وفروا.

ولم ترفع العقوبات المفروضة خلال فترة حكم الأسد بسرعة رغم انتخاب حكومة جديدة وتحسن العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا. واستغرق الأمر قرابة عامين من الجهود الدبلوماسية. وفي الأسبوع الماضي، رفعت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration