أوروبا أمام شتاء صعب.. مخزونات الغاز تتراجع إلى أدنى مستوى منذ 15 عامًا

أوروبا أمام شتاء صعب.. مخزونات الغاز تتراجع إلى أدنى مستوى منذ 15 عامًا
A- A+

أكدت صحيفة "إزفيستيا" الروسية أن سوق الوقود الأوروبي يشهد تزايدًا في التقلبات؛ فبعد أن تخلّى الاتحاد الأوروبي عن الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، أصبح يعتمد حاليًا بنسبة تقارب 60% على الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة والنرويج.

ونقلت الصحيفة عن خبراء أن التهديد الرئيسي هذا الشتاء قد لا يتمثل في نقص المحروقات، بل في حدوث موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي يدخل موسم التدفئة وقد بلغت نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز لديه 65.6% فقط، وهي أدنى نسبة خلال 15 عامًا.

ومن بين أكثر دول الاتحاد الأوروبي عرضة للخطر ألمانيا، التي تُعد تقليديًا القاطرة الصناعية لأوروبا. ويؤكد نواب في "البوندستاغ" أن نموذج تسعير الغاز الحالي في أوروبا يحرم الصناعة الألمانية من القدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وتبحث بروكسل عن مصادر جديدة للغاز، وتتوقع تجنب تكرار أزمة عام 2022، إلا أن استعدادات أوروبا لفصل الشتاء تسير بوتيرة أبطأ بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة.

ووفقًا لبيانات البنية التحتية للغاز في أوروبا (GIE)، بلغت نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز تحت الأرض في بداية أيلول 65.6% فقط، وهي أدنى نسبة مسجلة لهذه الفترة منذ عام 2011. وكانت الممثلة الرسمية للمفوضية الأوروبية، آنا-كايزا إيتكونن، قد ذكرت رقمًا أقل قليلًا، إذ أشارت خلال إحاطة إعلامية في بروكسل يوم 4 أيلول إلى أن مستوى التخزين بلغ 65%.

وقبل عام، كانت نسبة الامتلاء قد تجاوزت 80%، بينما دخلت دول الاتحاد الأوروبي خلال الفترة 2023-2025 موسم التدفئة باحتياطيات تقترب من 90%. ويُعد هذا التأخر الحالي أول إشارة جدية إلى أن نموذج إمدادات الغاز الأوروبي، بعد التخلي عن موارد الطاقة الروسية، لا يزال عرضة لمواطن الضعف.

وخلال أربع سنوات، غيّرت أوروبا هيكل وارداتها من الوقود بصورة شبه كاملة. وتوفر النرويج حاليًا نحو 30-33% من الإمدادات، بينما تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 25% أخرى، ما يعني أن البلدين معًا يغطيان قرابة 60% من احتياجات الاتحاد الأوروبي الخارجية.


وقال ماتياس موسدورف، عضو "البوندستاغ" عن حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، لصحيفة "إزفيستيا" إن الرهان على الغاز الطبيعي المسال الأميركي والغاز النرويجي لم يعوّض المزايا التي كانت توفرها العقود طويلة الأجل السابقة مع روسيا.

وأضاف: "لقد كان ذلك خطأً كبيرًا. لقد تخلينا عن الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، لكننا ما زلنا نشتري الغاز نفسه عبر وسطاء وبأسعار أعلى بكثير".

ولم يتغير اعتماد أوروبا على الطاقة، بل تغيّر شكله فقط. فبدلًا من الاعتماد على مورد رئيسي واحد عبر خطوط الأنابيب، أصبح الاتحاد الأوروبي مرتبطًا بالسوق العالمية، حيث تتحدد تكلفة الغاز في الوقت نفسه وفقًا للطلب في أكبر مراكز تصدير واستيراد الغاز الطبيعي المسال، مثل روتردام والدوحة وهيوستن وطوكيو وبيجين، وفقًا لما أوضحه ألكسندر فرولوف، نائب مدير معهد مشكلات الطاقة الدولية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية (MGIMO MIEP)، لصحيفة "إزفيستيا".


ولهذا السبب، فإن التهديد الرئيسي الذي ستواجهه أوروبا، بحسب الخبير، لن يكون بالدرجة الأولى نقصًا ماديًا في الوقود، وإنما جولة جديدة من ارتفاع أسعار الغاز.

تُعد ألمانيا وهولندا وبلجيكا الأكثر عرضة للمخاطر؛ إذ دخلت هذه الدول فصل الخريف وهي تمتلك بعضًا من أدنى مستويات احتياطيات الغاز بين الاقتصادات الرئيسية في الاتحاد الأوروبي. كما أن جزءًا كبيرًا من أوروبا الوسطى يحصل على إمداداته من خلال مراكز الغاز الهولندية والبلجيكية.

وفي الوقت نفسه، تظل إيطاليا الأكثر حساسية تجاه ارتفاع الأسعار، إذ يشكل الغاز ما يصل إلى 90% من تكلفة الكهرباء فيها.

وينطبق الأمر أيضًا على المجر واليونان ورومانيا، حيث تتأثر اقتصادات هذه الدول والمستهلكون فيها بارتفاع أسعار الوقود بوتيرة أسرع من غيرهم.

وفي هولندا، تنتقل أسعار الغاز المتداولة في البورصة في مركز TTF إلى تعريفات الأسر والشركات بصورة شبه فورية، ما يجعل البلاد من أوائل الدول التي ينعكس فيها أي ارتفاع مفاجئ في أسعار الغاز على فواتير المستهلكين.

أما بالنسبة إلى ألمانيا والنمسا وجمهورية التشيك وغيرها من الاقتصادات كثيفة استهلاك الطاقة، فإن ارتفاع تكلفة الغاز لا يعني فقط زيادة تكاليف التدفئة، بل يعني أيضًا تراجعًا إضافيًا في القدرة التنافسية لصناعات الكيماويات والمعادن والزجاج.


لا يزال الطقس أحد العوامل الرئيسية المحفزة لتقلبات الأسعار عام 2026. فقد أدت موجة الحر والجفاف غير المعتادين خلال الصيف إلى زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد.

وارتفع الاستهلاك اليومي للكهرباء بنسبة 28% في إيطاليا، و23% في المجر، و14% في فرنسا، و13% في إسبانيا.

وفي الوقت نفسه، أدت موجة الحر إلى انخفاض إنتاج محطات الطاقة النووية والكهرومائية بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض منسوب الأنهار، كما أدى ضعف الرياح إلى تراجع إنتاج الكهرباء من مزارع الرياح بنحو 40%.

ونتيجة لذلك، أصبحت محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز مصدر الاحتياط الرئيسي لتوليد الطاقة. وقد تزامن الطلب الإضافي على هذا النوع من الوقود مع المنافسة الشديدة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال(LNG)، الأمر الذي أدى إلى تسريع ارتفاع الأسعار وإبطاء ضخ الغاز إلى مرافق التخزين في الدول الغربية.

ولفتت الصحيفة إلى أن هناك عاملاً آخر قد يزيد من تعقيد وضع الغاز في أوروبا، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره عادةً نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وخصوصاً الإمدادات القادمة من قطر.

وأكدت أن حركة الملاحة عبر المضيق أصبحت محدودة؛ إذ اضطرت بعض ناقلات الغاز إلى تغيير مساراتها، كما جرى بالفعل نقل بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحميلها خارج منطقة هرمز، ما أدى إلى زيادة مدة وتكلفة عمليات التسليم.

وبالنسبة إلى أوروبا، يعني ذلك مرة أخرى زيادة المنافسة مع آسيا على الكميات المتاحة من الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى ضغط إضافي على الأسعار، حتى في حال عدم وجود نقص فعلي في الوقود.

مخاطر موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي

يمثل موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي، الذي يبلغ ذروته في سبتمبر والنصف الأول من تشرين الأول، خطرًا آخر على أوروبا.

ووفقًا لتوقعات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، من المتوقع أن يشهد هذا العام 13 إلى 19 عاصفة مُسمّاة، من بينها 6 إلى 10 أعاصير، وقد تصل قوة 3 إلى 5 منها إلى الفئة الثالثة أو أعلى.

ويتركز الخطر الأكبر على ساحل خليج المكسيك، حيث تتركز أكثر من 80% من القدرة التصديرية الأميركية للغاز الطبيعي المسال.

وفي الوقت نفسه، لا تعاني الولايات المتحدة نفسها من نقص في الوقود، إذ يوجد نحو 91 مليار متر مكعب من الغاز في مرافق التخزين الجوفية الأميريكية، وهو مستوى قريب من متوسط السنوات الخمس الماضية، ويسمح للولايات المتحدة بتلبية الطلب المحلي في الوقت نفسه والحفاظ على مستويات مرتفعة من صادرات الغاز الطبيعي المسال.

لكن المشكلة تكمن في الخدمات اللوجستية؛ فحتى التوقف قصير الأجل لمحطات الغاز الأميركية مثل سابين باس (Sabine Pass)، وكوربوس كريستي (Corpus Christi)، وفريبورت (Freeport)، أو كاميرون (Cameron)، يمكن أن يؤدي إلى تأخير شحن عشرات ناقلات الغاز.

ويشير ألكسندر فرولوف إلى أنه عندما تكون مرافق تخزين الغاز الجوفية ممتلئة بنسبة 65.6% فقط، فإن التأخيرات التي تستمر حتى بضعة أسابيع قد تؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في الأسعار.


في المقابل، يشير الخبير إلى أنه من حيث الحجم المطلق، يوجد حاليًا نحو 70 مليار متر مكعب من الغاز في مرافق تخزين الغاز الجوفية الأوروبية، وهو حجم يتجاوز إجمالي سعة التخزين التي كان يمتلكها الاتحاد الأوروبي في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

إضافة إلى ذلك، انخفض استهلاك الغاز من 415 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى ما يُتوقع أن يتراوح بين 325 و330 مليار متر مكعب عام 2026. وبالتالي، فإن الاحتياطيات الحالية تغطي حصة أكبر من الطلب مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عدة سنوات.

ويعزو الخبير المخاطر الرئيسية التي قد تواجهها أوروبا هذا الشتاء إلى ثلاثة عوامل أساسية، هي الظروف الجوية والمنافسة الأوروبية والآسيوية على الغاز الطبيعي المسال، والاضطرابات في سلاسل الخدمات اللوجستية العالمية.

ويختلف الوضع الحالي بشكل ملحوظ عن أزمة عام 2022؛ ففي ذلك الوقت، واجهت أوروبا انخفاضًا حادًا في إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب. أما اليوم، فأصبحت تعتمد على السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، حيث تتجه كل ناقلة متاحة إلى المكان الذي يكون فيه المشترون مستعدين لدفع سعر أعلى.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration