حرب المسيرات ضد السفن بدأت... هل تغير وجه الصراع الروسي الاوكراني؟

14 أيلول 2026 الساعة 08:38
حرب المسيرات ضد السفن بدأت... هل تغير وجه الصراع الروسي الاوكراني؟
A- A+

في تطور يعكس التحول المتسارع في طبيعة الحرب الروسية الأوكرانية، أعلنت البحرية الأوكرانية إغراق زورق روسي مسيّر في البحر الأسود، بعدما اشتبكت معه مسيّرة بحرية أوكرانية وأطلقت النار عليه من مسافة قريبة.

وقالت البحرية الأوكرانية إن وحدات الاستطلاع رصدت زورقًا روسيًا مسيّرًا في منطقة غير محددة من البحر الأسود، قبل أن ترسل مسيّرة بحرية إلى الموقع لمواجهته.

وبحسب الرواية الأوكرانية، اقتربت المسيّرة من الزورق الروسي ونفذت مناورة بالقرب منه، ثم فتحت النار باستخدام رشاش ثقيل، ما أدى إلى إغراقه. ونشرت البحرية الأوكرانية مقطع فيديو قالت إنه يوثق عملية استهداف الزورق وتدميره.

وقالت البحرية الأوكرانية عبر تطبيق "تلغرام" إن ما جرى يمثل "أول معركة بحرية في التاريخ بين زوارق مسيّرة"، في توصيف يعكس، وفق كييف، انتقال استخدام المركبات البحرية غير المأهولة من تنفيذ هجمات ضد أهداف مأهولة إلى مواجهة بعضها بعضًا بصورة مباشرة.

مواجهة جديدة

خلال السنوات الأخيرة، تحولت المسيّرات البحرية إلى أحد أبرز الأسلحة التي تستخدمها أوكرانيا وروسيا في البحر الأسود، بعدما طور الطرفان نماذج متعددة منها لأغراض هجومية واستطلاعية.

وتستخدم بعض هذه الزوارق كمنصات انتحارية تحمل كميات من المتفجرات وتوجه نحو السفن أو المنشآت الساحلية، فيما جرى تطوير نماذج أخرى مجهزة برشاشات أو صواريخ، إلى جانب مركبات مخصصة للاستطلاع وجمع المعلومات.

وتقول أوكرانيا إنها طورت سفنًا مسيّرة قادرة على حمل طائرات مسيّرة صغيرة، بما يسمح بتنفيذ عمليات على مسافات بعيدة والاقتراب من السواحل الروسية دون تعريض أطقم بشرية للخطر.

من الهجوم إلى القتال

ولم تعد المسيّرات البحرية مجرد وسيلة لإيصال المتفجرات إلى هدف محدد، بل تتحول تدريجيًا إلى منصات قتال واستطلاع يمكن أن تعمل في بيئات شديدة الخطورة، وأن تنفذ مهام كانت تتطلب في السابق وجود سفن أو زوارق مأهولة.

ويرى محللون أن هذا التطور قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب البحرية، تصبح فيها القطع غير المأهولة جزءًا أساسيًا من الخطوط الأمامية، خصوصًا في المهام التي تتطلب الاقتراب من أهداف محمية أو العمل داخل مناطق عالية المخاطر.

ويقول المحلل العسكري ضيف الله الدبوبي إن التطور اللافت في العمليات البحرية خلال الفترة الأخيرة يتمثل في ظهور سفن وزوارق وغواصات مسيّرة تعمل عن بُعد ومن دون وجود أطقم بشرية على متنها.

وأوضح الدبوبي أن بعض هذه المنصات يحمل متفجرات ويستخدم لمهاجمة السفن، بينما جرى تطوير نماذج أخرى مجهزة بالرشاشات والصواريخ، بما يجعلها قادرة ليس فقط على استهداف القطع البحرية المأهولة، وإنما أيضًا على مواجهة مسيّرات أخرى.

وأضاف أن هذا التحول يرتبط بمحاولة تقليل الخسائر البشرية والاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا في تنفيذ المهام العسكرية، خصوصًا في المناطق التي تنطوي على مخاطر مرتفعة بالنسبة إلى الجنود وأطقم السفن.

تقليل الخسائر

ويرى الدبوبي أن القاعدة العسكرية التي تقوم على أن المكان الذي يمكن الوصول إليه بالسلاح لا ينبغي إرسال جندي إليه، تجد تطبيقًا واضحًا في التطور الحالي للمسيّرات البحرية.

وقال إن هذه المنصات يمكن إرسالها إلى مناطق خطرة لتنفيذ عمليات هجومية أو استطلاعية دون تعريض حياة أفراد الطواقم للخطر، كما يمكن استخدامها لاستهداف أهداف حساسة بتكلفة بشرية أقل.

وأشار إلى أن التطور الجديد لا يتمثل فقط في استخدام المسيّرات لمهاجمة السفن المأهولة، وإنما في تحولها إلى وسائل دفاعية وهجومية قادرة على مواجهة مسيّرات أخرى وتدمير أهداف فوق سطح الماء أو تحته.

وبحسب الدبوبي، فإن هذا النوع من التكنولوجيا لن يغير شكل الحرب الروسية الأوكرانية وحدها، بل قد يمتد تأثيره إلى العمليات البحرية في صراعات أخرى، خصوصًا مع تطور الزوارق الصاروخية والسفن والمنصات غير المأهولة.

البحر الأسود مختبر

ويأتي الاشتباك المعلن في وقت تحولت فيه الحرب الروسية الأوكرانية إلى ساحة اختبار واسعة للتقنيات العسكرية الجديدة، من المسيّرات الجوية بعيدة المدى إلى المركبات البرية والبحرية غير المأهولة.

وقد فرض البحر الأسود خصوصية مختلفة على الطرفين، في ظل اعتماد روسيا وأوكرانيا على المسيّرات البحرية لاستهداف السفن والمنشآت والممرات البحرية، إضافة إلى تنفيذ عمليات استطلاع ومراقبة.

ومع اتساع استخدام هذه المنصات، أصبح البحر مسرحًا لمعادلة عسكرية مختلفة، إذ يمكن لمركبة صغيرة نسبيًا، لا تحمل على متنها أي أفراد، أن تقترب من هدف أكبر وأكثر تكلفة، وتفرض عليه التعامل مع تهديد يصعب اكتشافه أو التصدي له في الوقت المناسب.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن السفن الحربية التقليدية فقدت أهميتها، لكن أدوارها قد تتغير مع زيادة الاعتماد على المنصات غير المأهولة.

السفن تحت الضغط

ويعتقد المحلل السياسي رعد هاشم أن التطورات الجارية في الحرب الروسية الأوكرانية تقدم نموذجًا لما يمكن أن تبدو عليه المواجهات العسكرية مستقبلًا، ليس بين موسكو وكييف فقط، وإنما على المستوى العالمي.

وقال هاشم إن المواجهات القريبة بين القوات تتجه تدريجيًا نحو الاعتماد على الوسائط الآلية والإلكترونية، مع توسع استخدام المسيّرات في تنفيذ المهام الهجومية والاستطلاعية وتقليل الاحتكاك البشري المباشر.

لكنه أكد أن ذلك لا يعني نهاية دور القطع البحرية الكبيرة، وإنما قد يدفعها إلى إعادة التموضع والابتعاد عن مناطق الخطر المباشر، خصوصًا مع قدرة المسيّرات على الوصول إلى أهداف يصعب الاقتراب منها بواسطة منصات مأهولة.

وبمعنى آخر، قد لا تحل المسيّرات محل السفن الكبيرة بالكامل، لكنها يمكن أن تجبرها على تغيير طريقة انتشارها واستخدامها، وأن تجعل بعض المهام التي كانت تنفذها السفن المأهولة قابلة للإسناد إلى منصات أصغر وأقل تكلفة.

الاستخبارات أولًا

ورغم التطور المتسارع في قدرات المسيّرات، يحذر الخبراء من النظر إليها باعتبارها بديلًا مكتملًا عن القوات والمنصات التقليدية، فالمسيّرة، مهما بلغت درجة استقلاليتها، تحتاج إلى معلومات دقيقة عن موقع الهدف وطبيعته وحركته، خصوصًا في بيئة بحرية مفتوحة يصعب فيها اكتشاف الأهداف وتحديدها.

ويرى هاشم أن المستقبل سيشهد مزيدًا من الاعتماد على غرف التحكم وإدارة العمليات عن بُعد، لكن ذلك سيبقى مرتبطًا بمنظومات استخبارات قادرة على تزويد المسيّرات بالمعلومات اللازمة لتحديد الأهداف واتخاذ القرار العملياتي.

ويؤكد أن المسيّرة لا تعمل بمعزل عن المنظومة العسكرية، إذ تحتاج إلى معلومات استخبارية واتصالات وانتشار ميداني قادر على تحديد الأهداف وتغذية أنظمة التحكم بالبيانات اللازمة.

حرب المستقبل

ويصف هاشم الحرب في أوكرانيا بأنها "حقل تجارب" واسع للتقنيات العسكرية، تتواجه فيه قدرات روسية وأوكرانية وغربية في اختبار عملي للأسلحة والأنظمة الجديدة.

ويرى أن هذه التجربة ستؤثر في شكل الجيوش خلال المرحلة المقبلة، مع اتجاه الدول إلى تطوير منظومات دفاعية وهجومية تعتمد بصورة أكبر على المسيّرات.

لكن هذا التحول، وفق هاشم، لن يلغي الحاجة إلى القوات التقليدية أو المعلومات الاستخبارية، وإنما سيعيد توزيع الأدوار بينها وبين المنصات غير المأهولة.

وبذلك، قد تكون أهمية الاشتباك البحري الأخير أكبر من حجم الزورق الذي أغرقته المسيّرة الأوكرانية، فالواقعة تقدم نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه المعارك البحرية عندما تدخل المسيّرات نفسها في مواجهة مباشرة.

وفي البحر الأسود، حيث دفعت الحرب الطرفين إلى تطوير أسلحة بحرية غير مأهولة بوتيرة متسارعة، قد يكون هذا الاشتباك مؤشرًا على انتقال المنافسة من مرحلة استخدام المسيّرات ضد السفن إلى مرحلة جديدة تتنافس فيها المسيّرات نفسها على السيطرة والاستطلاع والهجوم.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration