أوروبا تستعد لسيناريو «المنطقة الرمادية»... مخاوف من اختبار روسيا لحلف الناتو

أوروبا تستعد لسيناريو «المنطقة الرمادية»... مخاوف من اختبار روسيا لحلف الناتو
A- A+

تتزايد المخاوف في أوروبا من احتمال سعي روسيا إلى اختبار حلف شمال الأطلسي خارج حدود أوكرانيا، عبر عمليات يصعب تحديد مصدرها بشكل مباشر، في وقت بدأت فيه دول أوروبية اتخاذ إجراءات احترازية تعكس ارتفاع مستوى القلق بشأن أمنها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال استهداف روسيا أراضي إحدى دول حلف الناتو وجعل الهجوم يبدو وكأنه حادث عارض، في إطار ما يوصف بعمليات "المنطقة الرمادية القابلة للإنكار"، بحسب "بلومبرغ".

وفي بريطانيا، دعت السلطات المواطنين إلى الاحتفاظ بكميات من الأطعمة المعلبة والمياه في منازلهم، بينما تستعد المستشفيات في ألمانيا للتعامل مع احتمال استقبال أعداد كبيرة من المصابين.

وامتدت المخاوف إلى سويسرا، التي حافظت على سياسة تجنب التحالفات العسكرية لنحو قرنين، إذ تبنت استراتيجية أمنية تركز على الدفاع عن أراضيها في حال تعرضها لهجوم.

وتعكس هذه التحركات تغيرًا في النظرة الأوروبية إلى الحرب الروسية الأوكرانية، بعدما تعامل معها كثيرون لسنوات باعتبارها صراعًا بعيدًا عن أراضي القارة، قبل أن تتزايد المخاوف من انتقال تداعياتها إلى دول أخرى.

عمليات يصعب تحديد مصدرها

لا يتركز القلق الغربي بالضرورة على احتمال شن هجوم روسي تقليدي باستخدام الدبابات والقوات البرية، وإنما على عمليات يمكن تنفيذها بصورة محدودة مع إبقاء إمكانية إنكار المسؤولية عنها.

وتشمل السيناريوهات المطروحة تحليق طائرات مسيرة في المجال الجوي لدول البلطيق، وأعمال تخريب تستهدف المطارات، وهجمات إلكترونية، إضافة إلى عمليات تنفذها شبكات إجرامية تعمل بعيدًا عن الأراضي الروسية.

وقد يبدو كل حادث من هذه الحوادث منفردًا عرضيًا أو قابلًا للإنكار، لكن تكرارها قد يشكل نمطًا أوسع يسمح لموسكو، وفق المخاوف الأوروبية، باختبار مدى استعداد حلف الناتو للرد من دون الدخول رسميًا في حرب مباشرة.

وتبرز منطقة فجوة سووالكي باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في هذا السياق. وهي شريط ضيق من الأراضي يبلغ عرضه نحو 65 ميلًا، ويربط بولندا بدول البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا.

ويثير احتمال قطع هذا الممر، ولو لفترة قصيرة، مخاوف بشأن إمكانية عزل دول البلطيق عن بقية دول الحلف، وفتح نقاش صعب حول طبيعة الرد الذي يمكن أن يقدمه الناتو.

ويتمثل أحد الأسئلة المطروحة في مدى استعداد الدول الأعضاء الـ32 في الحلف للدخول في مواجهة عسكرية واسعة بسبب منطقة محدودة المساحة، خصوصًا إذا أدى أي تصعيد إلى إعادة طرح مخاطر المواجهة النووية.

ويبقى هذا الغموض، بحسب المخاوف المطروحة في أوروبا، أحد العوامل التي يمكن أن تسعى موسكو إلى استغلالها لاختبار تماسك الحلف ومدى التزام أعضائه بالدفاع عن بعضهم البعض.

ما بعد انتخابات الدوما

تراقب العواصم الأوروبية أيضًا التطورات السياسية في روسيا بعد انتهاء انتخابات مجلس الدوما التي جرت بين 18 و20 أيلول.

وكانت نتيجة الانتخابات متوقعة على نطاق واسع في ظل سيطرة الكرملين على العملية الانتخابية، لكن ما يشغل المخططين الأوروبيين هو المرحلة التي تلي انتهاء الاستحقاق الداخلي.

وتشير المخاوف إلى أن الانتخابات عادة ما تستنزف جزءًا من اهتمام النظام وموارده، ومع انتهاء هذا الاستحقاق، قد تتاح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساحة أكبر لتكثيف الضغوط على الجناح الشرقي لحلف الناتو.

وقد يأخذ ذلك شكل مزيد من التوغلات بالطائرات المسيرة، أو عمليات تخريب، أو حتى مناورات عسكرية أكثر تعمدًا بهدف اختبار مدى وحدة الحلف واستعداده للرد.

وفي ليتوانيا، تحدث رئيس الوزراء ميندوغاس سينكيفيتشوس بصورة مباشرة عن حجم الاستعدادات الجارية، وقال لهيئة الإذاعة البريطانية إن بلاده وضعت خططًا للتعامل مع "مجموعة متنوعة من السيناريوهات"، بما في ذلك كيفية إجلاء كبار السن من المدن بصورة منظمة في حال وقوع أسوأ الاحتمالات.

وقال رئيس الوزراء الليتواني إن بلاده تواجه "تهديدات ملموسة"، مشيرًا إلى أنها قد لا تظهر يوميًا، لكنها تمثل واقعًا تختبره ليتوانيا بالفعل.

وتكتسب مخاوف ليتوانيا أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي، إذ تقع على حدود جيب كالينينغراد الروسي.

وشهدت البلاد بالفعل تحركات لطائرات تابعة لحلف الناتو بعد دخول طائرة مسيرة مجالها الجوي، في حادث عزز المخاوف بشأن احتمالات تكرار مثل هذه الوقائع في دول الحلف الشرقية.

وقال وزير الدفاع البريطاني، في تعليق على هذه التطورات، إن الحلفاء "يقفون متحدين، على مدار الساعة، دفاعًا عن كل شبر من أراضي الناتو".

وبينما لا تشير هذه التطورات إلى اندلاع مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو، فإنها تعكس ارتفاع مستوى الاستعداد الأوروبي لسيناريوهات أمنية تتجاوز الحرب التقليدية في أوكرانيا، خصوصًا مع تزايد الاهتمام بالهجمات الإلكترونية والتخريب والطائرات المسيرة وغيرها من الأساليب التي تقع في المنطقة الفاصلة بين الحرب والسلام.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration