نبأ هزّ العالم، شاحنة إجتاحت جموعًا كانت تحتفل بالعيد الوطني في مدينة نيس جنوب فرنسا، فقتلت 84 شخصًا وجرحت ما يزيد عن مئة. حتّى الآن لم تتوضّح ملابسات هذا الهجوم الدموي، ولم تُكشف الخيوط الإرهابية لتُظهر ما إذا كان يتواجد جهاديون في مسرح الإعتداء، مع أنّ هذا الأمر مرجّح. كلّ هجوم إرهابي يختلف ببعض التفاصيل، وعلى افتراض أنّ للجهاديين علاقة فمن المهم أن نفهم لماذا قام تنظيم "الدولة الإسلامية" بذلك، بحسب تقرير نشره موقع "جيوبوليتيكال فيوتشرز" الأميركي.

إنّ هدف التنظيم هو بناء خلافة متعددة الجنسيات وتوحيد الدول الإسلامية تحت لواء دولة واحدة. ومن أجل تحقيق هدفه يصبو إلى جمع المسلمين، لكن كيف؟ لتنفيذ هذا المخطّط، عليه تقديم عدّو واضح وجلي لهم ولا يمكن إلا لهذه الوحدة الإسلامية مواجهته. وحتى الآن لا يوجد أي عدو يُلزم المسلمين بالتوحّد، لذلك، ينوي "داعش" هندسة هذه الوحدة وإنشاءها.

الزعيم الروسي فلاديمير لينين قال "إنّ الغرض من الإرهاب هو الترهيب". إنّ صناعة الإرهاب يمكن أن تصبح سببًا لدفع أي شعب لطلب الحماية من بعض المهاجمين.

"داعش" هو شبكة عالمية متفرقة الأذرع وتعمل بشكل خفي فمن الصعب تحديد العناصر المجنّدة لديه، وبالتالي من الصعب تدميرها. إنّ وضعيّة دفاعيّة بحتة لحماية المطارات والمباني والمنشآت لن تكون ناجعة في هذه الحالة. الهجوم قد يطغى على الدفاع. فالدفاع لا يمكن أن يكون في أيّ مكان. إلى ذلك، فالمهاجمين يمكن أن يحدّدوا ويكشفوا الثغرات ويستغلّونها. كذلك فإنّ الشعوب لا تستطيع إكمال حياتها وسط تهديد يومي.

عدد من الهجمات مثل هجوم نيس يمكن أن يروّع الشعوب في كلّ مرة تقع. النقطة الأساسية من إستراتيجية الرعب والإرهاب هي جرّ الناس إلى حالة من الخوف حيث يكون هذا الخوف هو الردّ الوحيد. وحين يحدث هذا الأمر تأتي تداعيات سياسية.

- أولاً: الحكومات التي تحدثت عن المآسي السابقة لكنّها لم تفعل شيئًا لتجنّبها تفقد شرعيّتها.

- ثانيًا: لا يمكن لأي ردّ فعل معتدل أن يؤثر هنا، فعلى الدول اتخاذ قرارات متشدّدة، فيمكن أن يحصل ترحيل جماعي، بعدما يعتبر القيّمون على البلد أن الإرهاب أصابهم بما يكفي!

وهذا بالتحديد ما يريده "داعش"، فهو يهدف إلى ردّ ساحق لجمع المسلمين أينما كانوا. وتكمن قوة الإستراتيجية الداعشية في وضع الحكومات المعنيّة بالدفاع عن شعوبها أمام "قرار مستحيل"، إذا لا يعد هناك إمكانية لأي دفاع معتدل. إلى ذلك فإنّ أي ردّ متشدّد من فرنسا أو دول غربية أخرى سيخلق ردود فعل لدى العالم الإسلامي يمكن أن تعود بشكل إيجابي إلى "داعش".

إشارةً إلى أنّ الواقع يُظهر تكرار الحوادث الكارثية المشابهة لما حصل في نيس، وإنطلاقًا من هنا يُمكن إستقاء دروس من العالم الجهادي، وفهم ما وراء الكواليس في حادثة نيس وأخواتها.

(geopoliticalfutures - لبنان 24)