مع كل كشف جديد للاختراقات الصهيونية في لبنان يعاد طرح السؤال عن الأسباب والمقدمات ويعود الفضل في توقيت تحريك الجدل للمؤسسات الأمنية الحاضرة والمستنفرة دون تخاذل ولبعض المنابر الإعلامية الوطنية التي لم تغفل عن مخاطر التطبيع مع العدو ورفضت الاستسلام إلى منطق التساهل والرخاوة التي شاعت في التعامل مع جرائم إعلامية وثقافية موصوفة تسهم في خلق مناخ ثقافي وإعلامي بلا مناعة ضد العدو الصهيوني وجاهز للاختراق بل هو حاضر لتجنيد جواسيس للعدو في كل مكان وكذلك يسجل الفضل لنخبة ثقافية قومية تتعهد مكافحة التطبيع مع العدو على قلة إمكاناتها وكثافة ما تتعرض له من ترهيب وتوهين.
 أول عتبات تسويغ العمالة وتعميمها هو نسف الحاجز الأخلاقي والمعنوي الذي يشعر المعرضين للغواية بوطأة الخيانة الثقيلة وهو حاجز تتراجع قوته في أجيال الشباب الذين لم يعايشوا مجازر العدو ضد شعبهم ولم يعاينوا بشاعة الاحتلال الصهيوني وما جلبه على بلدهم وفي ظل غياب أي جهد وطني شامل لإبقاء الذاكرة الوطنية الحية او لتوليد وعي حول حجم التهديد الصهيوني المستمر.
الخلل الخطير هو غياب سياسة وطنية شاملة لإحياء ذاكرة المقاومة الشعبية والوطنية وللتذكير بويلات الاحتلال وبأطماعه وتهديداته الوجودية المستمرة لبلد كلبنان وبثقافة استمرار الصراع ضد العدو الصهيوني كشرط لحماية الاستقلال الوطني فقد تبدت تلك العناوين خلال الأعوام السبعة عشرة المنصرمة بوصفها مهمات فريق لبناني يرفع راية الصراع ضد الكيان الصهيوني الاستعماري على فالق الانقسام السياسي الداخلي حيث يتبنى فرقاء آخرون سياسة معاكسة وثقافة مناقضة انطلاقا من دعواتهم المتكررة للتكيف مع الشروط التي تضعها منظومة الهيمنة الغربية الصهيونية الرجعية بقيادة الولايات المتحدة في المنطقة ومع مشاريعها لتصفية قضية فلسطين وهذه القوى تمنع بدرجات متفاوتة بناء مناعة وطنية شاملة ضد الخروقات الصهيونية وتتذرع بشعارات الحرية الإعلامية والثقافية لتفتح أبواب البلد امام مصنفات التطبيع وكل ما يعادي المقاومة وتعمم كيدا سياسيا فئويا وتزرع احقادا عميقة ضد المقاومة بكل أشكالها بل إن السنوات المنصرمة شحنت احيانا بخطاب يغطي العمالة للعدو ويبررها بذرائع الانقسام الداخلي خلال الحرب الأهلية وهناك قوى سياسية طائفية تتبنى هذا المنطق وتمجد رموز العمالة في التاريخ القريب بينما يطمس بالمقابل  تاريخ الرموز التي روجت لفكرة العداء للكيان الصهيوني بوصفه نقيضا وعدوا وجوديا للبنان على جميع الصعد من امثال ميشال شيحا وموريس الجميل وريمون إده وسليمان فرنجية.
خلال السنوات الماضية تم منهجيا تهديم الضوابط القانونية للممارسة الإعلامية وجرى تسخيف كل جهد جدي يتصدى للاختراق الصهيوني بل وتم ترهيب السلطات والمرجعيات المسؤولة عن متابعة الأداء الإعلامي لكف يدها عن تعيين الخروقات والمخالفات الصارخة لما نصت عليه القوانين وبالأخص قوانين المقاطعة والعقوبات وقانون المطبوعات وقانون المرئي والمسموع ودفاتر الشروط النموذجية وما تعهدت به المؤسسات المرئية المسموعة كشروط موجبة لنيلها الترخيص وأبرزها عدم الترويج للعلاقة بالعدو بأي شكل كان .
ظهرت مواقع مسؤولة في النظام السياسي قدمت الحماية لجميع الممارسات المشبوهة علانية تحت يافطة الحرية الإعلامية والثقافية منذ أمد بعيد وبالذات منذ العام 2000 أي بعد التحرير مباشرة وبدلا من توظيف دروس ملحمة المقاومة واستعادة غالبية الأراضي المحتلة لبناء منظومة وطنية متماسكة تقودها الدولة لمنع الاختراقات الصهيونية للمجتمع مباشرة ام بالواسطة تكفلت قوى سياسية وازنة ترتبط بالغرب وبالخليج بشن حرب شرسة ضد المقاومة وداعميها الإقليميين وسعت لتكريس منطق ان حصة لبنان من الصراع مع العدو قد انتهت وكانت أذرعها الإعلامية الثقافية تروج بالمقابل لسوابق تطبيعية متناثرة في ظاهرها لكنها مشدودة بقوة وبخيط الاختراق الصهيوني المنظم وفقا لخطة منهجية تستخدم جميع ادوات الاختراق الممكن ثقافيا وإعلاميا وبالتالي أمنيا.
بقدر ما تحول التشهير السياسي بالمقاومة إلى تقليد يومي «تبرره» ذريعة الانقسام الداخلي فهو في الواقع كان ضربا منهجيا مدمرا للمناعة الوطنية وترويجا إعلاميا للعدو يسهل عليه الاختراق ويوفر تبريرات للتعامل معه داخل بيئة سياسية لبنانية محقونة بالعداء للمقاومة ومصابة بفيروس الكراهية والحقد الشديد الذي تكفلت بنشره قيادات وزعامات سياسية وقامت بتحويله إلى مفردات وتعبيرات إعلامية وثقافية مجموعات من فرق العمل التي تتصل بشبكات دولية وإقليمية نشطة تعمل في تناغم دقيق مع الحلف السياسي الأميركي الصهيوني العربي الجاري تركيز دعائمه منذ لقاءات شرم الشيخ التي شاركت في تخطيط وتنفيذ حروب العدو على لبنان وقطاع غزة.
يستخدم العدو جميع الوسائل لمحاولة اختراق لبنان على الأرض وفي الفضاء الافتراضي عبر شبكات التواصل الاجتماعي وغايته تجديد شبكات التجسس التي أصيبت بضربات قاتلة وهو يستعين فعليا بالشبكات المتعددة المرتبطة بالسفارات الغربية والعربية التي لا تتردد في تقديم الخدمات لتل أبيب والتي تدمن خرق السيادة الوطنية بتدخلاتها وتحركاتها المشبوهة دون رادع فعلي كما تحتمي بالانقسام السياسي اللبناني.
خلاصة القول أننا بلد في حالة حرب مع الكيان الصهيوني  لدينا أرض لبنانية محتلة وسيادة وطنية لبنانية مخترقة جوا وبرا وبحرا ولنا حقوق لبنانية بحرية وبرية مهددة ... احكام التعامل مع العدو والخيانة في حالة الحرب معروفة في جميع البلدان ... وبصراحة إن كل الميوعة و«الجلاغة» السخيفة لابتزازنا تحت عنوان الحرية مرفوضة على هذا الحد القاطع ولا مسايرة لأي كان والمطلوب قرار وطني سيادي يغلق أبواب التخريب الثقافي والإعلامي في البلد ..بل يفترض توفير الدعم والمساندة والحماية  لحملات مقاومة التطبيع ولمناضليها... التي يستهدفها المستسلمون والمتآمرون بكل فجور ووقاحة.
المطلوب تفعيل آليات القوانين وخطة طواريء لتثبيت المناعة الوطنية والوعي الوطني وملاحقة جميع مظاهر الاختراق والتسرب الثقافي والإعلامي فنحن بلد يتعرض للغزو على مدار الساعة ولا بد لنا من حشد القوى الشابة الفتية في مجتمعنا واقعيا وافتراضيا لمقاومة العدو وعدم ترك فراغات يمكن ان ينفذ منها السم الصهيوني بأي وسيلة كانت.