جرعت الولايات المتحدة العالم فكرة انها موئل حرية الرأي والتعبير بينما يحفل تاريخها بحملات تقييد شاملة للحريات عندما يتعلق الأمر بشبكة مصالحها الاستعمارية او بهيمنة الكتل الاحتكارية الرأسمالية في الداخل الأميركي.
أولا يميل كثيرون الى استرجاع نموذج المكارثية كدليل على موجات القمع والاتهام بالخيانة لكل من يتبنى رأيا مخالفا للسلطة السياسية الأميركية لكن السنوات العشرين الماضية قدمت نماذج كثيرة للفظاظة الأميركية في التعامل مع حرية الرأي والتعبير وقد نشرت كتب وتحقيقات في منابر إعلامية متمردة تناولت فضح القمع الأميركي لكتاب ومراسلين منعوا من فضح الحقائق الخفية لغزو العراق وأفغانستان لجهة سرقة وإهدار ثروات طائلة من قبل عصابة حزب الحرب وما سمح بإخراجه إلى العلن لاحتواء موجات الغضب الشعبي ليس سوى القليل فلا شيء جديا من المعلومات والمعطيات عن نشاط شركات تصنيع الأسلحة وحصادها ارتباطا بالغزوات الأميركية العسكرية ولا معطيات فعلية سمح بنشرها عن علاقة الاحتلال الأميركي للعراق بأشرس عملية نهب للنفط وبرعاية شبكات الإرهاب.
أما في أفغانستان فتغدو الفضيحة أكبر في خفايا علاقة القوات الأميركية بمافيا تجارة الأفيون والمخدرات وبطرق التهريب والتوزيع عبر العالم وهذه صفحة مكتومة نمت على ضفافها مصالح مالية لعصبة جنرالات البنتاغون والاستخبارات ويمنع التحدث كليا عن هذه القضية وملفاتها في وسائل الإعلام الأميركية تحت ذريعة حالة الحرب هناك.
ثانيا كثيرة هي المقالات والدراسات والتقارير الأميركية المنشورة في وسائل الإعلام الحديثة التي تحصي وتوثق العديد من جرائم القمع المنهجي للحريات الإعلامية ومنها بعض الكتب التي نشرت مواد حظر نشرها في الصحف او نقلها لمشاهدي ومستمعي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لمصلحة مافيات السلاح والمخدرات وشركات الأدوية واحتكارات النفط داخل الولايات المتحدة حيث تخوض منظمات اجتماعية كفاحا مريرا من أجل حماية المواطن وحقه في الحياة الكريمة وحريته في المعرفة والاطلاع وآخرها المعارك التي خاضتها جمعيات الدفاع عن البيئة ضد عمليات التنقيب عن النفط الصخري التي تهدد بكوارث بيئية وتغييرات جيولوجية خطرة من خلال اعتمادها لتقنيات تكسير الطبقات الصخرية العميقة.
إذا كانت الولايات المتحدة تحكم إغلاقها لعلب الفضائح والأسرار في الداخل وتسوق خدعة الحريات فهي دشنت عهد معاقبة وسائل الإعلام اواخر القرن العشرين من خلال استجابة الكونغرس الأميركي لضغوط اللوبي الصهيوني بفرض عقوبات على قناة المنار اللبنانية بسبب دورها المحوري في مقاومة العدوان الصهيوني على لبنان وفي إحياء قضية فلسطين ربطا بفكرة المقاومة والتحرير وبنموذج المجابهة الذي قدمه حزب الله ميدانيا وكسر به خرافة العدو الذي لا يقهر وقد عممت الولايات المتحدة نموذجها العقابي ضد المنار فشملت به تحت الطلب الصهيوني صحفا وقنوات عربية اخرى قامت بترويضها كشرط لرفع العقوبات.
ثالثا ألزمت الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي بالسير خلفها على الطريق ذاته وفي السياق نفسه جاء فصل من العقوبات المشددة على وسائل الإعلام الوطني السوري منذ سبع سنوات وضمن خطة العدوان الاستعماري على سورية وهي عقوبات عممت اوروبيا وعربيا عبر الجامعة العربية ومن خلال منظومة العدوان الإقليمية بقيادة المملكة السعودية ودولة قطر وبـ «الشراكة» مع تركيا.
مؤخرا تحركت الولايات المتحدة بـ «الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات تشمل المؤسسات الإعلامية الروسية والصينية وتدرس لجان الكونغرس معاملة مراسلي هذه الوسائل لديها بوصفهم جواسيس وإخضاعهم لرقابة مشددة وهو امر لو تعاملت معه موسكو وبكين بالمثل لأغلقت كل منها عشرات مكاتب التمثيل الإعلامية الأميركية لديها والتي يتحرك عبرها المندوبون والمراسلون لاستقاء المعلومات والمواقف وللتدخل احيانا في نقاشات غير متحفظة لشؤون داخلية روسية وصينية بل والنفخ في اختلافات وتباينات تناسب هوى الجهات الأميركية الخفية المحركة لوسائل الإعلام.
القيود والعقوبات على «سبوتنيك» و«روسيا اليوم» وعلى وكالة الأبناء الصينية «شينخوا» مشروع يجري تحضيره في كواليس الكونغرس مؤخرا وهي اجراءات تفضح بطلان الكذبة الأميركية عن حرية الإعلام وتكشف تصميم الطبقة الحاكمة الأميركية على استثمار هذه الحرية في اتجاه واحد يخدم مصالحها بينما هي تقمع الحرية وتعدمها حين تشتبه في أنها قد تخدم منافسيها في الخارج ومعارضيها في الداخل .
رابعا العبرة في كل ما تقدم أن التحولات الجارية تملي علينا ان نختار شركاءنا على الأقمار الصناعية وفي المنصات العالمية للبث والنشر وهذا يعني ان التوجه شرقا إلى الصين وروسيا لنسج «شراكة» عملية سيحصن حرياتنا الإعلامية ويحمينا من القمع الأميركي وهذه الحقيقة مهملة لا تعطى وزنها من الاهتمام والجدية لدى القوى المناهضة للهيمنة.
إن التهاون في هذا الموضوع هو رضوخ للقمع الأميركي وركون للقيود التي يفرضها الأميركيون ووكلاؤهم في اوروبا والبلاد العربية لمصلحة الكيان الصهيوني والاحتكارات الغربية المهيمنة والحصيلة لن تكون سوى ترويض المحتوى الإعلامي وتدجينه وتعقيمه بما يناسب شروط هذه القوى ومصالحها على حساب قيم الحرية والاستقلال.
محور المقاومة مطالب بالنظر بجدية في خيار التوجه شرقا على الصعيد الإعلامي والتفكير بـ «الشراكة» الإعلامية مع نظراء من روسيا والصين يحملون قيما مشتركة ويواجهون بشجاعة ضغوط الهيمنة الأميركية ومحاولات التحكم بحرية الرأي والتعبير في العالم وإهمال هذه القضية ليس مشروعا ولا مفهوما ولا هو مبرر بأي شكل كان ومن غير المقبول ان يتوه في متابعات بيروقراطية عقيمة.