بدأت الأمور تأخذ منحى دراماتيكياً مع استمرار الفراغ الحكومي الذي يمنع أخذ أي إجراءات تصحيحية لوقف التداعيات السلبية الناتجة من الأزمة الحالية.

تراجع القطاع الخاص يُهدّد الإقتصاد بشكلٍ جدّي، فالعديد من الشركات أخذت بإقفال أبوابها تفاديًا للخسائر أو وقفًا لخسائرها، في حين قامت البعض بصرف موظّفين أو بوقّفهم عن العمل مؤقّتًا. وبحسب الإحصاءات التي قامت بها إحدى الشركات هناك 160 ألف وظيفة تمّت خسارتها كليًا أو مؤقتًا! المشاكل التي تواجهها هذه الشركات تتمثّل قبل كل شيء بتراجع مواردها المالية بالعملة الأجنبية والتي منعت العديد منها من القيام باستيراد السلع والبضائع (بحكم أن هيكلية الاقتصاد خدماتية من الخارج إلى الداخل). كما أن الشيكات المُرتجعة أصبحت كثيرة ومخاطر الإفلاس ترتفع مع عدم قدرة الشركات على تغطية نفقاتها.


صرف الموظّفين رفع من دون أدنى شكّ البطالة التي أصبحت تشكل أكثر من 45% من القوى العاملة وهو رقم خطر يحمل في طيّاته شبح الفقر الذي أصلا كان يهيمن على ثلث الشعب اللبناني وبالتالي سترتفع هذه النسبة إلى مستويات أعلى، توقّع البنك الدولي أن ترتفع هذه النسبة إلى 50%!

الوضع المالي لا يقلّ سوءًا عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فهناك تراجع ملحوظ في إيرادات الدولة ومداخيل الخزينة قدّرناها بأكثر من 400 مليون دولار أميركي منذ بدء الأزمة. وهذا يعني أن العجز المُتوقّع في موازنة العام 2019 والبالغ 7.59% لن يتمّ احترامه اذ من المتوقّع أن يفوق الـ 10% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهذا سيُشكّل نكسة كبيرة للمالية العامة وتصنيفها من قبل وكالات التصنيف الائتماني.

في هذا الوقت، يقوم مصرف لبنان بما يملك من وسائل بتغطية استحقاقات الدولة بالعملة الأجنبية وهو ما يُبعدّ شبح الإفلاس عن الدولة. لكن هذا الأمر لا يُمكنه أن يستمرّ إلى ما لا نهاية نظرًا إلى خطورة استنزاف احتياطات المركزي ومخالفته قوانين الأسواق المالية.

المُشكلة مُعقدّة مع تشابك عدّة عناصر فيما بينها، فمن جهة هناك إنفاق مُفرط يؤدّي إلى خلق عجز يتحوّل إلى دين عام. ومن جهة أخرى هناك تراجع اقتصادي ناتج من منافسة الدولة للقطاع الخاص على أمواله مما يعني تراجع الاستثمارات ومعها النمو الاقتصادي ومداخيل الخزينة. ولكي تكتمل الصورة، يأتي الصراع السياسي والتعطيل الناتج منه ليُعقّد من إمكانية حلّ المشاكل، كل هذا في ظلّ أرضية فساد تؤثّر سلبا في كل ما سبق ذكره.

الدين العام اللبناني يبقى النقطة الأكثر خطورة على الكيان اللبناني. فحجم الدين العام بلغ 86.9 مليار دولار أميركي (حزيران) موزّعة على 53.4 مليار دولار بالليرة اللبنانية، و30.2 مليار دولار بالعمّلة الأجنبية (دولار بشكل أساسي).

وبحسب بنك أوف أميركا، يحمل مصرف لبنان 32 مليار دولار أميركي منها 28.5 بالليرة اللبنانية و3.5 مليار دولار بالعملة الأجنبية. أيضًا تحمل المصارف التجارية اللبنانية 32.5 مليار دولار أميركي منها 17.6 مليار دولار بالليرة اللبنانية و14.9 مليار دولار سندات يوروبوندز. أمّا المُستثمرون الأجانب، فيحملون 11.8 مليار دولار أميركي من سندات اليوروبوندز. عمليًا الصورة قاتمة، لكن هناك شقّ إيجابي فيها وهو أن 13.6% من الدين العام فقط محمول من مُستثمرين أجانب، أي أن غالبية الدين العام هو دين داخلي.

غياب الانضباط في المالية العامة هو السبب الأساسي وراء تراكم الدين العام. ويتم تحليل الانضباط في المالية العامة عبر القيود على ميزانية الدولة التي تنص على أن يتم تمويل النفقات الإجمالية في الميزانية لكل سنة مالية من الضرائب أو من الإصدارات لسندات خزينة. وإذا ما أردنا وضع هذه القيود ضمن معادلة حسابية، نجد أن:

الإصدارات الجديدة (زيادة الدين العام) + الإيرادات الضريبية = خدمة الدين العام + الإنفاق العام.

وبالتالي إذا ارتفع الإنفاق العام وفي ظل غياب نمو في الإيرادات الضريبية، تقوم الدولة بإصدار سندات خزينة جديدة مما يرفع خدمة الدين العام ومعها الإصدارات الجديدة إلى حين وصول مستوى الدين العام إلى مستويات خطرة (بحسب المعايير الدولية هذه النسبة تبلغ 60% من الناتج المحلّي الإجمالي في حين أنها في لبنان تفوق الـ 150%)!

من الواضح من هذه العلاقة، أن نسبة الدين العام تزيد إما لأن الدولة تُسَجِّلُ عجزاً أولياً، وإما لأن الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النمو تزيد. وفي حالة لبنان، الفجوة تزيد يوماً بعد يوم بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النمو.

وبالتالي نستنتج أن توازن الميزانية العامة للدولة ليس المقياس المناسب للسياسة المالية Fiscal Policy)) بحكم أنها تتأثر بعاملين: أوّلا سياسة الديون للسنين الماضية ما ينعكس سلباً في خدمة الدين العام، وثانيًا وضع الاقتصاد الحالي في الدورة الاقتصادية. وقد تنتج الزيادة في عجز الموازنة من تدهور في الوضع الاقتصادي الدوري بمعزل عن الخيارات الهيكلية في الميزانية (معدل الضرائب، ومستوى الإنفاق).

لذا تنصّ السياسات الأقتصادية على تحفيز الاقتصاد بشكل تُصبحّ معه نسبة النمو الاقتصادي أعلى من سعر الفائدة الحقيقي لاستعادة الانضباط المالي. هل تمّ القيام بمثل هذه السياسات؟ للأسف كل السياسات الاقتصادية للحكومات المُتعاقبة في العقود الماضية، لم تأخذ بعين الإعتبار هذه المُعادلة مما أوصل الوضع إلى ما نحن عليه.

المطلوب اليوم حكومة قادرة على مُعالجة الشقّ الاقتصادي البحت، أي الميزان الأوّلي بشكل يُسجّل فائضًا أعلى من قيمة خدمة الدين العام مع الاستمرار في عصر النفقات ومحاربة الفساد إلى مستوياته الدنيا. وباعتقادنا إذا استمرّت الأزمة السياسية على ما هي عليه، فإن الآلاف من الشركات ستقفل أبوابها تحت ضغط الواقع الاقتصادي وسترتفع نسبة البطالة إلى مستويات كبيرة ومعها الفقر الذي سيُولّد الجريمة!

يبقى القول ان توزيع الثروات بحسب المبدأ الاقتصادي «العدالة الاقتصادية» هو أساس في كل السياسات الاقتصادية. وماذا نقول عن العدالة الإجتماعية التي تفرض إلغاء الظلم والتعاضد بين أفراد المُجتمع تحت كنف الدولة العادلة التي ومن خلال سياساتها الاقتصادية والاجتماعية قادرة على محو الفوارق الاجتماعية ومحو الفقر الذي يُعتبر مؤشّر «التخلّف الاجتماعي».