مرت مئة سنة على ولادة لبنان الكبير وشهد محطات تاريخية عدة منها مأساوي دمر الدولة  ومنها مزدهر وتأسيسي عزز اركانها.

امس احتفل لبنان بمئوية لبنان الكبير في حضور الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ليؤكد  الاخير للبنانيين ان فرنسا ستكون دوما الى جانب الشعب اللبناني خاصة بعد ان شهد اسوأ ازمة مالية وكارثة انفجار مرفأ بيروت. بعيدا عن الاشعار والكلام العاطفي في احتفال مناسبة  مئوية لبنان الكبير يعود ماكرون الى بيروت ليساهم بشكل كبير في اعادة انتاج حياة سياسية سليمة في لبنان بعد ان شوه السياسيون العمل الديمقراطي وديمومة المؤسسات والرقابة فيها وعطلوا القضاء.

واذا كان النموذج اللبناني او بالاحرى النظام السياسي اظهر انه فاشل فالتغيير لا يعني هدم الموجود بل تحسين النظام والعمل على سد الثغرات التي خلقت ازمات سياسية عميقة. الحل الوسط هو خير الامور والنظام السياسي الذي من الضروري اضفاء عليه تغييرات ايجابية على المدى الطويل وليس لفترة قصيرة وآنية. ذلك ان الطائف كان اتفاقاً لانهاء الحرب ولكنه تبين ان بنوده لا يمكن ان تبني دولة علما ان اتفاق الطائف دفن مع استشهاد الرئيس الراحل رينيه معوض.

وعودة ماكرون في موعده المحدد يؤكد ان مبادرته تشق خطواتها الى الامام والتكليف الذي حصل من الكتل النيابية  قبل ساعات من وصول ماكرون هي رسالة من القوى اللبنانية تشير الى التجاوب مع المبادرة الفرنسية والتعامل معها بايجابية. والمنحى الايجابي هو التلاقي بين فريقين متخاصمين على تسمية للرئيس المكلف بعكس ما حصل عند تسمية رئيس حكومة تصريف الاعمال الدكتور حسان دياب. واتى  اعلان الاليزيه عن زيارة ثالثة للرئيس الفرنسي  في اواخر كانون الاول لتعكس تصميم فرنسي على متابعة مبادرة الانقاذ وجدية من قبل ماكرون لتحقيق الحل المبني على الاصلاحات كمعبر ضروري للمساعدات المالية والاقتصادية. ويشار الى ان المبادرة الفرنسية  منسقة مع الايرانيين والاميركيين وتنص على اجراء انتخابات نيابية مبكرة خلال عام بعد تقصير ولاية مجلس النواب. وذلك تلبية لمطالب ثورة 17 تشرين الاول.

في غضون ذلك، واحتفالا بمئوية لبنان الكبير، بدأ الثوار بوقفة حاشدة أمام النصب التذكاري في نهر الكلب تحت شعار : «مئوية لبنان من الولادة الى السيادة» وبعدها انطلقوا نحو ساحة الشهداء للانضمام الى الثوار المتمركزين في بيروت. وطالب الثوار من نهر الكلب بالعمل الجدي على حياد لبنان والمساعدة على تطبيق الدستور لناحية احترام سيادة لبنان.

وتوجهوا للسلطة بالقول : «أينعت عروشكم وحان وقت قطفها وجلائها ولا ثقة لحكومة ترفض الاستماع لخيار الشعب بحكومة مستقلة وبصلاحيات استثنائية». أضافوا : «نحن رجال ونساء نحارب لغد أفضل بالعلم اللبناني وحده ونحن ادوات السلم وانتم ادوات الفتنة ونحن خلاص لبنان وانتم موته».

 حكومة قادرة على اقرار الاصلاحات

بالعودة لزيارة الرئيس الفرنسي يشدد ماكرون على ان مهمة الحكومة العمل ضمن فريق واحد متجانس للتوصل الى  وضع حلول للازمات الاقتصادية والمالية عبر اقرار الاصلاحات الاساسية التي عجزت الحكومات الماضية عن إنجازها والتي ستشكل مدخلاً لإعادة إحياء مؤتمر سيدر بدفع فرنسي لإنعاش لبنان ببضعة مليارات الدولارات ريثما يتم استكمال التفاوض مع صندوق النقد الدولي للإفراج عن مساعدات الصندوق.

وتشير المعلومات في هذا الإطار إلى أن هناك إصراراً فرنسياً على وضع بعض الوزارات في عهدة اختصاصيين غير حزبيين، كالطاقة والاتصالات والأشغال العامة والعدل والصحة والمالية. وحتى اللحظة، يبدو أن التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل موافقون على فكرة التخلي عن حقائب الطاقة  والخارجية والمالية.

اضف الى ذلك، يحرص الرئيس ماكرون على تشكيل  حكومة انتقالية لمدة عام يكون وزراؤها اختصاصيين ومستقلين تضع اوليتها وقف الانهيار المالي وتطبيق الاصلاحات الحيوية ومن ثم تدعو الى انتخابات مبكرة حيث تكون كلمة الفصل للناس. وباختصار  يريد الرئيس الفرنسي، أن يكون الوزراء شخصيات مقربة من الفرنسيين خصوصا ان الوفد الفرنسي ضم اكاديميين لبنانيين في مجال الطاقة والكهرباء والمياه والاشغال وحتى الصحة.

في السياق ذاته، شددت اوساط ديبلوماسية للديار بان الحكومة يجب ان تتالف في غضون اسابيع لان امام لبنان ثلاثة اشهر قبل الغرق الكبير واضمحلال لبنان ذلك اذا لم تشكل الحكومة بسرعة ولم تبدأ بتطبيق اصلاحات حيوية اساسية خلال هذه الاشهر الثلاثة المقبلة فهنا مصير لبنان مهدد بالزوال ولن ينفع بعد هذه المدة اي حل يساعد على انتشال لبنان من القعر العميق الذي وصل اليه. والواضح ان الحكومة اذا تألفت ستستفيد من عوامل عديدة بدءاً من تجارب الحكومتين السابقتين تجاه الاصلاح وانتهاء بتوسع الدعم السياسي حيث يحظى الرئيس المكلف بغطاء سني قوي.

لماذا وقع الاختيار على السفير مصطفى اديب ليكون الرئيس المكلف؟

في هذا النطاق، تؤكد معلومات خاصة لـ «الديار» ان الادارة الفرنسية اقترحت على ماكرون إسم مصطفى أديب مع تزكيته بوصفه شخصية دبلوماسية فاعلة ومقربة من الاقطاب في لبنان ويعرفه جيداً كل من الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري وحزب الله ومعروف عند القوى الاساسية في الاكثرية بالاضافة الى كونه متزوجاً من فرنسية وسجله السياسي والدبلوماسي ناصع وخال من اي شبهة فساد او سوء استغلال للمنصب. وعليه، ذهب ماكرون في هذا الاتجاه وأبلغ الاقطاب في لبنان بالاسم وتمنى تسميته والتعاون معه شخصياً واصر على مهاتفتهم واحداً واحداً!

 ماكرون وحزب الله

بموازاة ذلك، علمت «الديار» ان كلام ماكرون كان ايجابياً تجاه حزب الله وسيقابله الاخير بايجابية اكبر وسيسهل مهمة ماكرون الى اخر الحدود نتيجة وضع البلد الصعب لكن ذلك ليس على حساب تمثيل حزب الله في الحكومة. وقد تكلم الرئيس الفرنسي بصراحة تامة انه يريد اصلاحات مطلوبة في مجال الكهرباء وما يحمله ماكرون من مطالب اصلاحية حصلت على رضى حزب الله. وكان امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله أكد في كلمة له الى حاجة البلاد لحكومة قادرة على النهوض بالوضع الاقتصادي والحياتي واعادة الاعمار وانجاز الاصلاحات قائلا : «نحن نؤيد الذهاب بها الى ابعد مدى ممكن.» وكلام نصرالله يتطابق مع اهداف ماكرون وهذا مؤشر ايجابي يعكس وجود الارادة السياسية في لبنان لحل الازمة الاقتصادية وملحقاتها.

وعلى صعيد سياسة فرنسا الخارجية، ندد ماكرون في ندوة في فرنسا قبل مجيئه الى لبنان عن الدخول التركي على خط غاز المتوسط وكذلك الروسي والصراع على حدود النفط والغاز والذي يستهدف سيادة دول المنطقة. وفي ظل الصراع على الغاز يعلم الفرنسيون ان لبنان هو الورقة الاخيرة لديهم وفيه نفوذ فرنسي واذا خرجوا من لبنان اصبحوا خارج المنطقة كليا وهذا الامر لا يصب في مصلحة  السياسية الخارجية الفرنسية التي تعرف ان الاستقرار في لبنان مدخله حزب الله وهي تريد ان تطبع مع حزب الله بضمان الاستقرار خلافا لما يفعله الاميركيون بحصار الحزب. فهل تعطي الادارة الاميركية فترة سماح لماكرون في لبنان لانجاز شيء ما في ظل الصراع على غاز المتوسط ؟

من جهته، يدرس حزب الله مشاركته في الحكومة وفقا لطبيعة الحكومة التي ستشكل والاتجاه السائد هو حكومة انتقالية تكنوقراط لمدة سنة تضع اولويتها انتشال لبنان من الانهيار المتسارع والحد من التدهور المالي والاقتصادي والنقدي. واذا تشكلت حكومة تكنوقراط، لا يرى حزب الله نفسه غير معني بها فيمكنه المشاركة بالحكومة عبر شخصية كفوءة ولكن قريبة من المقاومة على غرار وزير الصحة حمد حسن الذي كان اداؤه نموذجا مميزا في العمل الوزاري.

 الدكتور جعجع لا يستمع الا للاميركيين

في المقابل، اظهرت جميع القوى السياسية تجاوبا مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والذي اعرب عن تأييده للرئيس المكلف السفير مصطفى اديب بعد ان اختاره سعد الحريري ومعه رؤساء الحكومات السابقة كما تجاوب الوزير وليد جنبلاط مع طلب ماكرون بتسمية مصطفى اديب من ناحية العلاقة الوطيدة اللبنانية الفرنسية. الا ان القوات اللبنانية غردت خارج السرب وليس من باب التباين في الرؤية للحكومة بل لان القوات تصغي للكلام الاميركي وتوجهاته فقط في حين لا تعول كثيرا على الموقف الفرنسي اما على صعيد الداخل، فالقوات اللبنانية تعتبر ان الحكومة المرتقبة لن تختلف عن سابقاتها ولن تقوم بانجازات عظيمة بشأن الوضع الاقتصادي والمالي. اضف الى ذلك، حزب القوات اللبنانية يحرص على علاقته مع السعودية ويرى ان نقاطاً عدة وتوجهات سياسية كثيرة تجمعهما حيث ان السعودية تحت سلطة ولي العهد محمد بن سلمان تعتمد على السنة المشاغبين وقد اختارت المشاكل على الديبلوماسية والحلول لان الرياض ترى ان الشغب وافتعال الاحداث الامنية يضرب صورة حزب الله في لبنان ويضعفه من الداخل وان هذه هي الاستراتيجية الابرز لتطويق حزب الله في لبنان.

 دعوة الرئيس عون لدولة مدنية

بعد ان طرح الرئيس ميشال عون لبنان دولة مدنية، تعددت الاراء بين مؤيد ومعارض حيث اعتبرت القوات اللبنانية ان تأسيس الدولة المدنية يسبقه شرط وهو ان لا يبقى فريق لبناني مسلحاً. واوضحت القوات انها غير مستعدة في الدخول في نقاشات طالما ان هناك حزباً يملك السلاح وقرار السلم والحرب في يده.

من جهته، أيد الحزب التقدمي الاشتراكي للدولة المدنية واشاد بها حيث اعتبر ان ذلك سيخرج اللبنانيين من القيود الطائفية المطروحة وانشاء مجلس الشيوخ ويتبع ذلك اصلاح في القضاء والحفاظ على استقلاليته. واضاف المصدر في الحزب التقدمي الاشتراكي انه يجب جعل الوظيفة العامة مبنية على الكفاءة وليس على التوزيع الطائفي. وشددت هذه المصادر في التقدمي الاشتراكي ان الدولة المدنية هي الحل للامراض المزمنة التي انهكت لبنان وشعبه.

 الحزب التقدمي الاشتراكي : الاصلاحات هي بداية انقاذ لبنان

بدوره، قال امين سر الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر : «موقفنا ثابت لا بد من اصلاح جدي في لبنان يتطلب حكومة من نوعية خاصة وتمنينا على الحريري ان يسمي شخصية وبعد اختياره للسفير مصطفى اديب رئيسا مكلفا، بادر حزبنا ايضا الى تسمية اديب لرئاسة الحكومة». واكد ناصر ان التقدمي الاشتراكي لن يشارك بأي حكومة مقبلة ولكن موقفنا من الحكومة المرتقبة مرتبط بتشكيلة توحي بالثقة. بمعنى اخر قال ناصر نريد ان نرى ان تركيبة الحكومة من وزرائها قادرة على المضي قدما في  عملية الاصلاح عندها سندعمها اما اذا تشكلت الحكومة الجديدة ومع الوقت اصبحت مشابهة لحكومة حسان دياب سنعارضها.

ورأى امين سر الحزب التقدمي الاشتراكي انه اذا بدأت الخلافات والسجالات على الوزارات قبل ولادة الحكومة وعاد التقاسم على مبدأ المحاصصة عندها نكون لم نتلقف الفرصة الذهبية التي يقدمها ماكرون للبنان.

 القوات اللبنانية : الشعب اللبناني ليس حقل تجارب

من جهتها، قالت مصادر في القوات اللبنانية انها اعترضت على الطريقة التي آلت اليها التسوية وقضت بتسمية السفير مصطفى أديب دون ان يتم اطلاع الرأي العام اللبناني على حيثيات هذه التسوية. لا يمكن ان نكلف شخصية لا نعرفها والتسوية على اسمه خلال 48 ساعة.

ونحن نعتبر ان الشعب اللبناني والقوات التي هي جزء لا يتجزأ من الشعب اننا اكتوينا من تجارب مع فريق شكل حكومة بمفرده من لون واحد ووصلت بنتيجتها الى فشل كبير على المستوى المالي والاقتصادي والمعيشي. وانطلاقا من ذلك، قال المصدر في حزب القوات اللبنانية ان الشعب اللبناني ليس حقل تجارب ويجب الذهاب الى عمق المشكلة وجوهرها وان يكون هنالك نوع من تسوية متكاملة تحد من تأثير الفريق الحاكم ونفوذه على السلطة. ذلك ان المشكلة تكمن في هذا الفريق بالذات.

من هنا اختارت القوات اللبنانية الديبلوماسي نواف سلام لان معه لا تجارب مجهولة وايضا لاستقلاليته وقراره الحر ونظرته السيادية وهذه المرحلة التي يمر بها لبنان بحاجة لاشخاص من امثال نواف سلام. ونفت المصادر القواتية ان يكون اختيارها لنواف سلام اتى جراء التأثير الاميركي عليها.

اما عن تسمية مصطفى اديب لرئاسة الحكومة فالحقيقة ان القوات لا تعرفه علما ان الحزب لا يعارض شخصاً بل نهجاً سياسياً وبالتالي لا مأخذ على شخصية السفير مصطفى اديب لا بل سننتظر كيفية تشكيل حكومته من اجل ان نبني على الشيء مقتضاه. وكما لم نكلف رئيس الحكومة السابق حسان دياب ولم نمنحه الثقة سنقوم بالامر ذاته مع مصطفى اديب من ناحية عدم التكليف اما الثقة فتنتظر كتلة الجمهورية القوية اختيار اديب لوزرائه وتوزيع الحقائب داخلها ووفقا للبيان الوزاري التي ستعتمده الحكومة المرتقبة، عندها تقرر القوات اللبنانية منح او شجب الثقة لحكومة اديب.

ماذا يجري في خلدة ؟ بهاء الحريري  يتدخل مباشرة

تقول المعلومات ان رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط دخل على خط المصالحة بتفويض من الرئيسين بري والحريري وحزب الله واتصل جنبلاط بعشائرعرب خلدة وقدم مبادرة شاملة للحل ارضت الجميع وعقد امس اجتماع بين قيادتي الاشتراكي وحزب الله في المنطقة للاتفاق على الحل.

من هنا، من  هو المستفيد من تجدد الاشتباكات في خلدة واطلاق النار على مبادرة جنبلاط وترويع البلد وفي ظل وجود ماكرون في المرفأ وقطع طريق الجنوب. هل هناك قوى ثالثة ترفض الحل وتوجه رسائل الى الداخل اللبناني؟ تزامنا مع احداث خلدة، قال النجل الاكبر للرئيس الشهيد رفيق الحريري، بهاء الحريري  مباشرة انه سيبقى يقطع طريق خلدة والناعمة وبرجا في ظل سياسة حزب الله. اذا من يفجر هذه المنطقة حيث تقع حوادث مذهبية وطائفية خطيرة وعمليات تهجير للعائلات الموجودة في خلدة وهذه الاحداث ما زالت بعيدة عن وسائل الاعلام لكنها تشكل تهديداً كبيراً للسلم الاهلي ذلك ان القوى السلفية اذا سيطرت على خلدة فتكون قد  تحكمت بمداخل بيروت والشوف والجنوب. وهذا امر خطير جدا وينذر بحوادث اليمة ستتكرر علما ان ماكرون نفسه حذر ونبه من وجود مجموعات ارهابية على طريق بيروت - الجنوب وايضا في الشمال خلال الاجتماع الماضي في قصر الصنوبر مع ممثلي الاحزاب في زيارته السابقة الى لبنان.