تنطوي المرحلة الراهنة على مخاطر كثيرة في ظل حالة الإنقسام التي تسيطر على البلد، والتي بلغت ذروتها في الأيام القليلة الماضية، بينما الخطر الداهم يكمن في عودة لبنان ساحة للصراع الإقليمي والدولي، وهذا ما يظهر بوضوح من خلال خروج عملية تأليف الحكومة عن مسارها المحلي المتعارف عليه، إلى صراع بين واشنطن وطهران.

وفي هذا الإطار، تكشف مصادر سياسية مطلعة، أن اتصالات الساعات الماضية أعادت الأمور إلى نقطة الصفر جراء الصراع الحاصل على حقيبة المال، بعدما كانت اتصالات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أدّت إلى حلحلة هذه العقدة، على أن تبقى في عهدة الشيعة، وبعدها تحصل المداورة، ولكن حتى الساعة، فإن المعطيات تشير إلى أن المسألة خرجت عن مسارها من نادي رؤساء الحكومة السابقين إلى أبعد من ذلك بكثير، وعلى هذه الخلفية حلّ تريّث جديد لإعطاء الفرصة للرئيس المكلّف مصطفى أديب، بغية إجراء المزيد من الإتصالات، بينما ثمة من يشير إلى أن هنالك تعديل قد يدخل على المبادرة الفرنسية، بغية تدوير الزوايا مع كل الأطراف، إذ توصل الرئيس الفرنسي إلى أن التعهدات التي أعطيت له من كل المكونات اللبنانية إنما هي بمثابة أوهام، وبالتالي، فإن التعاطي يجب أن يكون مغايراً معهم، ووفق آلية جديدة، وربما سيحدث ذلك في وقت قريب جداً، على اعتبار أن اعتذار أديب في حال إخفاقه في عملية التأليف، فذلك لا يعني أن المبادرة الفرنسية سينتهي مفعولها، وإنما هي مستمرة وقائمة وستتوسّع مروحتها في أكثر من اتجاه، بعدما أضحت بمثابة القضية الخاصة التي تعني الرئيس ماكرون.

ولكن يبقى القلق ملازماً جميع الأطراف السياسية على خط تفاقم الأوضاع الإقتصادية والمعيشية وانقطاع أكثر من سلعة غذائية والحديث المتنامي عن رفع الدعم عن المحروقات، فكل ذلك من شأنه أن يحرّك الشارع، وهذا موضع لقاءات مفتوحة بين «الثوار» وقوى المجتمع المدني ومستقلين، إذ علم أن لقاءات يومية تُعقد بين قادة هذا الحراك لتنظيم تظاهرات وحركة اعتصامات في الأيام المقبلة، وبدأت معالمها بالظهور من خلال تظاهرات الأمس التي دعت رئيس الجمهورية للتنحّي، أي أن لبنان أمام تظاهرات واعتصامات ستعمّ العاصمة ومناطق كثيرة، ولهذه الغاية، تعتبر هذه الحركة خير دافع للقوى السياسية المعرقلة للإفراج عن الحكومة العتيدة، لا سيما وأن فرنسا ومعظم دول الغرب، وبما فيهم الولايات المتحدة الأميركية يدعمون هذا الحراك الشعبي، ويشجبون أي تعرّض له من السلطات الحاكمة في لبنان.

وفي غضون ذلك، فإن عوامل عديدة بدأت تظهر في خضم الصراع الدائر في لبنان عبر تصفية الحسابات بين المحاور الإقليمية، وخصوصاً أن هناك استحقاقات دولية داهمة تتمثل بالعقوبات الأميركية على إيران وحلفائها، إضافة إلى الإنتخابات الرئاسية الأميركية وتأثيراتها على المستويين الإقليمي والدولي، وارتداداتها على الصعيد الداخلي من خلال مواصلة العقوبات، ومن ثم التشويش على المبادرة الفرنسية أو ما يتردّد عن تباين بين واشنطن وباريس حيال نقاط تتناول الحل في لبنان، في الوقت الذي تتحدث فيه معلومات عن دخول غربي، ولا سيما من بعض الدول الفاعلة كألمانيا وبريطانيا، على خط التشدّد مع بعض المكوّنات السياسية اللبنانية، وذلك سيكون له تأثيرات على المبادرة الفرنسية، وإن كان هناك تفويض أميركي ودولي للفرنسيين في حضّهم الأطراف اللبنانية على تشكيل حكومة إصلاحية اقتصادياً.

لذلك، فإن هذه التباينات من المجتمع الدولي تعتبر كما يصنّفها أحد السياسيين اللبنانيين بأنها بمثابة توزيع أدوار لإعادة صياغة الوضع الداخلي، ومن ثم تغيير الوضع القائم حالياً.