ثلاثة عقود، لكأنها ثلاثة قرون، من الهرطقة السياسية، والهرطقة الدستورية، والهرطقة المالية، والهرطقة الاقتصادية. «مش رايحين ع جهنم. نحنا بجهنم».

لا يمكن لأي لبناني، بعيد عن اللوثة الطائفية، وعن اللوثة القبلية، أن يتصور أن مشكلتنا، وأن قضيتنا، هي الحقائب التي طالما استخدمت لأغراض شخصية، أو لأغراض حزبية. الحفاة تحولوا الى مهراجات...

ومع اقتناعنا بأن وثيقة الطائف لم تؤمن الموازاة بين المكونات اللبنانية، لا بل أن النصوص كانت أقرب ما تكون الى الأحجيات الدستورية، لنتصور أن قضية الشيعة هي حقيبة المالية. وحين تصبح في يدهم تتحقق الميثاقية.

هذه طائفة مرّغت وجه آرييل شارون بالوحل. هذه الطائفة، كظاهرة لبنانية، لبنانية فقط، جعلت الجنرالات، والحاخامات، يضربون رؤوسهم بحائط المبكى.

لماذا، في هذا الوقت بالذات، فكروا بعدم توزيع الحقائب طائفياً، وبعدما باتت الحقائب فارغة؟ ولماذا فكروا بالغاء بدعة الحقائب السيادية، وقد كرسوا كل تلك الفضائح في أعراف تتجاوز كل النصوص، وكل الأصول، الدستورية؟

الأميركيون عاقبوا علي حسن خليل ليس من أجل أرقام وزارة المال، ولا من أجل دهاليز وزارة المال (اسألوا فؤاد السنيورة). عاقبوه لكي تصل الاشارة الى عين التينة «اقطع علاقتك بحسن نصرالله والاّ...». ندرك أي كاليغولا، وأي دراكولا، في البيت الأبيض.

«الاسرائيليون» يريدون من دونالد ترامب رأس حزب الله. كل المعاهدات، وكل الاتفاقات، لاتدعهم ينامون على حرير. للمرة الأولى، الاسرائيلي يشعر أنه في دولة من الزجاج. وللمرة الأولى، تبدو الأرمادا العسكرية وكأنها من تنك. ديفيد غروسمان، الكاتب «الاسرائيلي»، قال «حقائبنا باتت عند الباب»!

لن نقول ان حزب الله سيكون السبب في سقوط دونالد ترامب، ولكن تابعوا، بدقة، كيف يوزع العقوبات، بشكل هيستيري، كما لو أنه الدوران السيزيفي، على قرن وحيد القرن...

ما يحدث وراء الضوء أن هناك شخصيات، وقيادات، ومرجعيات، لبنانية تعيش هاجس دونالد ترامب، وما يمكن أن يفعله في الأسابيع القليلة المقبلة من أجل ارضاء اللوبي اليهودي. البعض يتحدث عن ضربات على الرأس. ما المقصود؟ انتبهوا، لم يبق سوى 40 يوماً على الثلاثاء الكبير.

هل يبرر كل ذلك عدم توافق الأطراف كافة على تشكيل حكومة انتقالية، حكومة من اختصاصيين، ويتعاونون مع الخبراء الفرنسيين، لانقاذ البقية الباقية من ذلك اللبنان الذي حولته الأوليغارشيا الحاكمة الى جهنم؟ هذا بعدما تواطأت لتحويل الرعايا الى قطعان من السلاحف البشرية، حيث الزحف المقدس أمام أنصاف الآلهة.

لماذا تدور عملية التشكيل داخل الجدران، وبادارة من هم شركاء في صناعة ذلك الفساد العظيم؟ كل أشكال الشعوذة السياسية على الخشبة. حتى المداورة، كبدعة لغوية وسياسية، يطرحها البعض كأحد جوانب الاصلاح السياسي.

أيها السادة. الاصلاح (الاصلاح الهيكلي) عندنا عملية فلسفية معقدة، وتحتاج الى الحفر المنهجي في ما وراء الجمهورية وفي ما وراء المفاهيم الكلاسيكية للدولة.

الفرنسيون يقولون على الأقل اصلاح تقني، مادام الاصلاح الأخلاقي مستحيل بوجود المنظومة اياها.لا دولة مدنية ما دام التأجيج الطائفي، والتأجيج المذهبي، المبرمج داخلياً، وخارجياً، في ذروته.

ايمانويل ماكرون، وبالرغم من نظرته الى النظام، كنظام هجين يكرس التفكك، أكثر مما يكرس الاندماج، يعتبر أن المشكلة ليست في النظام وانما في أهل النظام.

والآن ما علينا الا الصلوات لكي يغادرنا دونالد ترامب، وكان يتمنى لو يلقي القنبلة النووية على بيونغ يانغ، وعلى طهران، لو لم يقفل الجنرالات فمه بأحذيتهم...