غاب طويلا اي موقف سعودي بخصوص الوضع اللبناني حتى اتى موقف العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز منتصف الاسبوع والذي حمل «حزب الله» المسؤولية عن انفجار مرفأ بيروت، داعيا إلى نزع سلاح «الحزب» لتحقيق الأمن في البلاد، ليفاقم التعقيدات المحيطة بعملية تشكيل الحكومة. اذ تزامن هذا الموقف التصعيدي العالي النبرة مع مواصلة التصعيد الاميركي والذي جاء هذه المرة على لسان مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل الذي اتهم حزب الله، خلال جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، بتقويض مصالح الشعب اللبناني من خلال تكديس الأسلحة، والأنشطة المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.

ويأتي هذان الموقفان الاميركي والسعودي في مرحلة حساسة جدا من عملية تأليف الحكومة وبالتحديد بعد مبادرة رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري لجهة السير بتولي شخصية شيعية وزارة المال. وكانت المفاوضات تسلك طريق حل الازمة في ظل الحراك الذي كان ناشطا لتدوير الزوايا ما يؤدي لتسمية «الثنائي الشيعي» وزراء لا يستفزون الحريري. الا ان الموقفين السابق ذكرهما وبخاصة الموقف السعودي دفع رئيس «المستقبل» لفرملة اندفاعته لقراءة ابعاد وخلفيات هذا الموقف وفحوى الرسالة التي ارادت الرياض ايصالها اليه، هو الذي كان ينتظر منذ زمن اي اشارة منها تعيده الى السراي الحكومي.

وبهذا تكون عملية التشكيل علقت من جديد في ظل امتعاض واضح من «الثنائي» وبخاصة من رئيس الجمهورية الذي يعتبر ان كل دقيقة تمر تسرع اتجاهنا الى الهاوية التي اسماها اخيرا «جهنم». ويأخذ عون كما «أمل» وحزب الله على الرئيس المكلف مصطفى اديب عدم امتلاكه حد ادنى من الهامش لاتخاذ القرارات، وبعودته عند كل صغيرة وكبيرة الى الحريري والفرنسيين، ما يؤخر ويعيق عملية التشكيل. وبناء على ذلك، تشير المعلومات الى ان هناك دفع باتجاه اعتذار أديب وعودة الحريري لتسلم مهمة التأليف من منطلق قيام الاصيل بذلك بدلا عن الوكيل. وتقول مصادر مطلعة على عملية تشكيل الحكومة لـ «الديار» ان الحريري نفسه يعول على ذلك لكنه لا يزال ينتظر اشارة سعودية في هذا الاتجاه لم تصله، بل بالعكس وصلته اخيرا رسالة تصعيدية مفادها وجوب مواصلة محاصرة حزب الله والضغط عليه، ما يعني رفض اي شراكة حكومية معه.

ويتوق الحريري للعودة الى السراي على شكل «مخلص» يجنب البلد «جهنم» التي بشرهم بها الرئيس عون، لكنه يعي تماما ان ذلك لا يمكن ان يحصل اذا لم يتحصن بدعم اقليمي ودولي كبير يتيحان وصول الاموال والمساعدات اللازمة للبنان للخروج من ازمته الاقتصادية والمالية غير المسبوقة، لذلك هو يفضل ان يمرر المرحلة الضبابية الحالية بأديب خاصة وان احتمالات فشله تفوق بكثير احتمالات نجاحه.

ورغم كل الخروقات التي يعمل الفرنسيون على احداثها في جدار الازمة خاصة بعدما قرر رئيسهم خوض غمار هذا التحدي الذي لا شك لم يكن يدرك مدى صعوبته وتعقيده، لا يبدو انهم قادرون وحدهم على القيام بأي شيء يذكر خاصة بعدما استعادت القوى السياسية زخمها الذي غاب طوال الفترة الماضية بفعل الانتفاضة الشعبية التي تلاشت تماما وخاصة بعد انفجار بيروت. فمن كان يترقب انفجارا شعبيا بعد هذه الكارثة التي اتت لتتربع على جبل من الكوارث سواء السياسية او الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية، صدم بعد مرور كل هذا الوقت بغياب اي تحركات احتجاجية لا بل اكثر من ذلك بعودة القوى السياسية لآدائها السابق بتناتش الحصص الوزارية على اساس طائفي.