لانه لم يكن في نية احد،افتعال ازمة تؤدي الى «تطيير» الجلسة الاولى للمفاوضات غير المباشرة في الناقورة حول ترسيم الحدود الجنوبية، خصوصا ان بعض الاطراف اللبنانية غير قادرة على تحمل «غضب» مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد شينكر اذا ما عاد الى بلاده خائبا من بيروت، جرت جولة التفاوض الاولى باقل الخسائر الممكنة لجميع اطراف النزاع حول «الشكل»، فبامكان رئيس الجمهورية ميشال عون ومن ورائه وزير الخارجية جبران باسيل القول للاميركيين اننا لم نرضخ لضغوط حزب الله واصرينا على تشكيل الوفد المختلط من المدنيين والعسكريين،في المقابل، ومن خلال صدور البيان المتأخر ليلا برفض تركيبة الوفد،باسم الحزب وحركة امل، يكون «الثنائي» قد «غسل يديه» من شكل التفاوض، واسس لتدخل لاحق اعتراضا على اي خلل في المضمون، دون ان يصل اعتراضه حد احراج بعبدا، اتجاه واشنطن، عبر الضغط لعرقلة ذهاب الوفد الى الجلسة الاولى، وهكذا يمكن القول ان الطرفين حققا «ارباحا» في الشكل في ظل وجود تفاهم، حتى الان، حول مضمون العملية التفاوضية التي لن تنتهي لا باتفاقية سلام، ولا بالتطبيع، فالمعادلة واضحة، لاتنازل عن حقوق لبنان البحرية او البرية من قبل اي جهة لبنانية، الخلاف حول الشكل قابل «للهضم» والتجاوز، لكن اي اختلال في التفاهمات حول المضمون سيؤدي الى نتائج وخيمة ستؤدي الى قلب المعادلات والتحالفات السياسية «رأسا على عقب». ويمكن القول ان ما حصل كان «بطاقة صفراء»، رفعها الحزب كمقدمة «للحمراء» اذا ما تم تجاوز «الخطوط الحمر».

وفي هذا السياق، تشير اوساط سياسية معنية بالملف، ان حزب الله يدرك جيدا بان اصرار الرئاسة الاولى ومعها الوزير باسيل على توسيع الوفد، واشراك مدنيين فيه، لا يرتبط بالمفاوضات في حد ذاتها، لا بحقوق لبنان البحرية، ولا بفتح قنوات اتصال «جانبية» مع اسرائيل، لكنه يرتبط على نحو مباشر بالعقوبات الاميركية التي تهدد بفرضها واشنطن على رئيس تكتل لبنان القوي والمحيطين به، والان كل حركته السياسة محكومة بمحاولة التملص منها بشتى الوسائل لانه غير قادر على تحملها بعدما اصيب «التيار البرتقالي» بحالة من «الوهن» في «الشارع» المسيحي، ولا ينقصه الان، تحمل عبء عقوبات اقتصادية، قد تطال شخصيات وازنة في محيطه قد تؤدي الى «هروب» جماعي من حوله في ظل حالة من التململ سببها رفض تحمل المزيد من «الاثمان» نتيجة التحالف مع حزب الله.

وفي هذا الاطار، يطالب باسيل من الحزب منحه «هامش» مناورة يستطيع من خلاله المرور بين «الالغام» في هذه الفترة الحرجة، لانه وبحسب رايه، لا يمكن ان يكون مفيدا اذا ما تحول الى حليف «ضعيف»، واذا ما تعرض مع تياره الى «عزلة» دولية، ومن هنا تبرز التباينات مؤخرا في اكثر من ملف داخلي وخارجي بين طرفي اتفاق «مارمخايل» سواء في الملف الحكومي، وقانون العفو العام، وشكل وفد الترسيم، وغيرها من الملفات التي يحتاجها باسيل بشدة لابراز عدم التطابق مع «حارة حريك» بهدف تقديم نفسه طرفا متحررا من اعباء التحالف، وقابلا لان يلعب ادوارا سياسية مقبلة، وهو ما يمكن ان «يتبخر» بمجرد وضعه على لائحة العقوبات..ولذلك يريد ان يضع «رجل في البور واخرى في الفلاحة» رغم تذكيره من شخصية نيابية وازنة بمثل شعبي آخر يقول»لا بالشام عيدنا ولا دمر لحقنا العيد»..!

طبعا، يدرك حزب الله حساسية وحراجة وضع التيار الوطني الحر بعد الاحداث العاصفة على الساحة اللبنانية، وليس في وارد اضاعفه باعتباره لا يزال حليفا «استراتيجيا»، مع العلم ان الثقة بالرئيس عون تتجاوز «باشواط» الثقة بالوزير جبران باسيل،كما تقول اوساط مقربة من «حارة حريك»،ولهذا لم يعلق الحزب على اتهامه من قبل «التيار» بعدم مساعدته في الاصلاحات الداخلية، مع العلم ان التسوية الرئاسية التي خاض غمارها باسيل قامت على تقاسم الحصص مع الحريري والاطراف الاخرى في السلطة ومنهم «عين التينة»،تحت عنوان استعادة حقوق المسيحيين،وانتهت الامور في البلاد الى ما انتهت اليه، ولم يتدخل الحزب في «كبح» جماح حليفه، رغم معرفته المسبقة بانه تجاوز كثيرا شعارات «الاصلاح والتغيير»،وبعد الانهيار حاول باسيل تحميل حليفه جزءا من فشل استراتيجيته التي انتهت بسقوط التسوية الرئاسية مع «بيت الوسط»، وتفاهم «معراب» مع القوات اللبنانية، وليس واضحا هنا مسؤولية الحزب عن اخطاء كارثية تم ارتكابها بفعل القراءات الخاطئة، وعلى الرغم من ذلك، واصل الحزب حماية «ظهر» حليفه ووقف سدا منيعا امام الضغوط لاجراء انتخابات نيابية مبكرة، سيكون «التيار» اكبر الخاسرين فيها لو اجريت اليوم، فيما لا يزال الحزب محتفظا بقاعدته، وجمهوره، ولم يكن الرفض في قصر الصنوبر لهذا البند في مبادرة الرئيس ماكرون الا «كرمى» «لعيون الحليف».

لكن الحزب الذي سكت طويلا في الملفات الداخلية يبدو شديد الحساسية في التعامل مع «الصراع» في المنطقة، وخصوصا ملف المواجهة مع اسرائيل، وهو لم يكن معنيا بمناكفة لرئيس التيار الذي لم يعتبر الصراع وجوديا، لكنه لم يكن قادرا على عدم رفع «سقف» الموقف وعلى نحو علني ازاء فشل الاتصالات البعيدة عن الاضواء في اقناع باسيل ورئيس الجمهورية بتعديل شكل الوفد المفاوض، واذا كان لم يذهب بعيدا في احراج حليفه،ولم يضغط لالغاء الجولة الاولى، لعلمه من جهة انها «بروتوكولية»،ولمعرفته من جهة اخرى ان اضرارها السياسية ستكون وخيمة على حلفائه، لكنه اختار مع حركة امل الخروج بموقف موحد للتحذير من «خطوط حمراء» لن يسمح لاحد بتجاوزها في المستقبل، وهو اذا قبل بالخروج مرحليا بمعادلة «رابح -رابح» في الخلاف مع بعبدا «وميرنا الشالوحي» حيث حقق كل طرف مبتغاه من هذه الازمة، الا ان المس بالمضمون لاحقا سيواجه «ببطاقة حمراء» ستكون ضرورية،مهما اشتدت وطأة الضغوط الاميركية،فلا تنازلات مقابل الإفراج عن حقوق لبنان والسماح له باستثمار طاقته الغازية والنفطية،ولا مقابل سيقدمه لبنان عملاً بمبدأ التفاوض،وكلام رئيس الجمهورية في آب الفائت بان السلام مع إسرائيل يصبح ممكناً «إذا حلّت المشكلات» بين البلدين، لن يجد له اي ترجمة عملية، فالمفاوضات عنوانها فقط استرداد الحقوق، واي محاولة للخروج عن هذا الاطار، ستدفع حزب الله «لقلب الطاولة» على الجميع، والجميع هنا تعني «الحلفاء» قبل «الخصوم»..