غنوة عطية

مشهدُ الحرائق في التاسع من تشرين الأوّل ما هو إلاّ «إعادة» سيناريو عام الماضي؛ حرائق متسلسلة، هلع السكان، إستئناف عمليّات الإخماد من قبل المدنيين ولاحقاً عناصر الدفاع المدني، سيطرة على الحريق ثمّ «كأنّ شيئاً لم يكن». في حين أنّ حالة الهلع يجب أن تتضاعف لمعرفة أسباب الحريق ومحاسبة المُفتعل. 360 مليون م2 هي المساحات المحترقة لآخر 15 سنة المنصرمة و12 مليون م2 منها تعود لهذا العام حتى الآن بحسب تقرير الشركة الدّوليّة للمعلومات؛ ولم يُحاسب أحد على افتعال حريق واحد. ما هي الأسباب العلميّة والمُفتعلة لهذه الحرائق؟ ماذا عن أضرارها البيئيّة؟ وهل يمكن تغيير «السيناريو» لشهر تشرين الأوّل المقبل؟

يؤكد مدير برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند د.جورج متري، أنّ خلال شهر تشرين الأوّل يصبح الطقس «مناسب» لنشوب حريق بما أنّ نسبة الرطوبة تنخفض، ترتفع الحرارة وسرعة الهواء، ويهيمن الجفاف على الغابات وخصوصاً على التربة. لذا، أسباب الحرائق خلال هذه الفترة الزمنيّة تعود إلى عوامل مناخيّة، إضافةً لعوامل طبيعية ومصدر للنار؛ بما أنّ «حرائق لبنان برّمتها هي بسبب الإنسان أي أنّ العوامل المناخيّة والطبيعيّة لا تسبب وحدها لحريق». ويضيف د. متري أنّ «من الأسباب المُفتعلة تعود إلى تنظيف المُزارع لبستانه عبرحرق الأعشاب اليابسة وتخرج أحياناً النيران عن السيطرة. أسبابٌ أخرى هي إمّا إشعال النيران لأنشطة داخل الغابة أو إستخدام المفرقعات بمحاذاتها أو حرق مطامر النفايات».

وفي هذا السياق، يقول رئيس جمعيّة الأرض بول أبي راشد أنّ «السبب المرّجح لحرائق 9 تشرين الأوّل، في بعض المناطق، يعود لموسم قطف الزيتون بما أنّ المزارعين يحرقون الأعشاب اليابسة في بساتينهم حتّى لا يصل الحلزون لأغصان الزيتون. فاحتمال أن يكون قدخرج الحريق عن السيطرة في ظلّ وجود عوامل مناخيّة «مناسبة» لنشوب حريق. سببٌ آخر مُرّجح يعود لحرق مطمر النفايات وفي ظلّ توافر العوامل المناخيّة عينها، خرج الحريق عن السيطرة».

الأضرار...لا تُقدّر بثمن

يشير د. متري إلى أنّ الحرائق التّي إندلعت في غابات جرود لبنان، «طالت شجر الأرز، اللزاب والشوح التّي تفتقر للبذور وبالتالي يُعجز تنبيتها من جديد وتُتلف بعد الحريق. أي أن فقدت الطبيعة أشجار يتجاوز عمرها المئة سنة. أمّا الحرائق التّي إندلعت في دير الحرف والشوف فقضت على أشجار مثمرة كشجر الصنوبر، وتكبّد المزارعون بذلك خسارة إقتصاديّة متراكمة على مدى 25 سنة. كما طالت الأضرار خسائر بيئيّة بما أنّ من خدمات الغابة تنقية الهواء ومياه الأمطار، تثبيت التربة وإعادة تغذية الآبار الجوفيّة بالمياه العذبة».

تغيير السيناريو؟

يشير د. متري إلى أنّ من الممكن تخفيض نسبة إندلاع الحرائق من خلال «تصنيف الغابات بحسب نسبة خطر إندلاع الحرائق فيها، لكي تراقبها شرطة البلدّية وتجهّز العدّة الأوّليّة. يمكن تصنيف الغابات من خلال خريطة، أعدّتها جامعة البلمند، تبيّن مخاطر إندلاع حرائق لكافة المناطق اللبنانية. كما يمكن مراجعة نظام تنبؤي إلكتروني تقدّمه الجامعة أيضاً الذّي يحذّر من خطر إندلاع حريق في مناطق معيّنة قبل ثلاثة لتسعة أيّام».

أمّا بالنسبة لمشاريع جمعيّة الأرض «فهيّئة غابة بعبدا مثلاً ببرج مراقبة مجهّز بعدّة أوليّة ليتوجه المتطوعون وشرطة البلديّة إليه مع إندلاع أي حريق لإستئناف عمليّة إخماده قبل وصول الدفاع المدني». ويضيف أبي راشد أنّ كانت قد أطلقت الجمعيّة دورة لتدريب البلديات والجمعيات الناشطة على إخماد الحريق.

ختم أبي راشد سائلاً «متى سيحاسب مُفتعل الحريق ليكون عبرة لغيره؟ ومتى سيحاسب مسؤول لم يقم بواجباته؟» ومن جهته ختم د. متري مشيراً إلى أنّ السلطات المعنيّة بإدارة أزمة الحرائق لم تكن فعّالة وثبتّت الدولة فشلها مرّة أخرى للسيناريو عينه من العام الماضي.

إنّ الأسباب «الرسميّة» لسلسلة الحرائق مازالت مجهولة. لا من يحقق ولا من يحاسب. وبالرغم من أن ثمّة خطوات «بسيطة» يمكن تطبيقها لتخفيض من نسبة الحرائق إلاّ أنّ لن يستبعد المواطن تكرار السيناريو عينه لشهر تشرين الأوّل المقبل.

أحداث عام 2019 بدأت بسلسلة حرائق خلال تشرين الأوّل، ثمّ فرض ستة دولارات على تطبيق واتس أب، فثورة 17 تشرين. أمّا هذه السنة فالأحداث بدأت بإندلاع سلسلة حرائق خلال تشرين الأوّل أيضاً يليها تعميم من مصرف لبنان لتحديد سقف السحوبات، فثورة مجدداً؟ أم إعتاد اللّبناني أن يرى المصيبة واقعاً ويرضخ لها؟