لن يتغيّر موقف أي كتلة نيابية خلال فترة الأسبوع التي أعطتها الرئاسة الأولى كمهلة لحلّ الصعوبات التي برزت أمام تكليف الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة المنتظرة. وقد أكّد رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل في إحدى تغريداته على «تويتر» أنّ تكتّله النيابي لن يبدّل موقفه، كما أجمع مجلسه السياسي على عدم تسمية الحريري. كذلك أكّدت بعض المعلومات عن عدم تغيير «القوّات اللبنانية» موقفها المعارِض لتكليف الحريري أيضاً. هذه المواقف السلبية وصلت للرئاسة الفرنسية فأصدرت وزارة خارجيتها بياناً حمّلت فيه المسؤولين اللبنانيين مسؤولية «الإنسداد المطوّل الذي يمنع أي إستجابة للإنتظارات التي عبّر عنها اللبنانيون»، وسألتهم بالتالي الإختيار بين النهوض أو الشلل والفوضى في البلاد. فهل سيكون لهذا البيان أي تأثير إيجابي على مواقف الكتل فتذهب الخميس المقبل الى الإستشارات النيابية في قصر بعبدا، أم سيتمّ تأجيلها مرّة أخرى الى حين التوافق على إسم الرئيس المكلّف؟

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ أكثر ما يهمّ فرنسا هو توافق المسؤولين اللبنانيين فيما بينهم على تشكيل «حكومة مَهَمّة» قادرة على تحقيق الإصلاحات الضرورية وإنقاذ لبنان من الأزمات التي يتخبّط بها، آخذين بالإعتبار المصلحة العليا للبلاد، ومصلحة الشعب اللبناني قبل مصالحهم الشخصية. فهذه الأخيرة تقف حائلاً دون تنفيذ التزاماتهم للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والتي كرّرت غالبية القوى السياسية التأكيد على الإلتزام بها أي بالمبادرة الفرنسية، إلاّ أنّ ذلك لم يظهر من خلال أدائهم. والدليل تأجيل الإستشارات النيابية المُلزمة حتى الخميس المقبل، من دون أن يكون هناك حتى الآن أي تأكيدات على حصولها أو على التوافق على اسم الرئيس المكلّف.

وقالت بأنّ تحديد موعد الإستشارات النيابية كان خبراً جيّداً بالنسبة لفرنسا كون المسؤولين التزموا بالمدّة التي حدّدتها بين 4 و6 أسابيع لتشكيل الحكومة المنتظرة، فيما تأجيلها أسبوعاً جعلها تقلق مجدّداً على الوضع اللبناني الداخلي المنقسم على بعضه البعض، سيما وأن لا شيء يدلّ حتى الآن على أنّها ستجري في موعدها. ولهذا تُحمّل فرنسا المسؤولية للسياسيين الذين ليسوا، على ما يبدو، على قدر هذه المسؤولية، في الوقت الذي يُعاني فيه الشعب اللبناني من الفقر والبطالة والجوع وانخفاض القيمة الشرائية لليرة اللبنانية وارتفاع سعر الدولار الأميركي، وغير ذلك. وحذّرت من أنّ استمرار هذا الوضع على حاله سيؤدّي حتماً الى المزيد من الجمود السياسي، كما الى الفوضى في البلاد. هذه الفوضى التي تُفسّرها فرنسا على أنّها قد تكون انتشاراً لجرائم السرقة والعنف والقتل ربّما بفعل الغلاء والجوع، أو حرباً في الشارع بين الأحزاب المتنازعة سياسياً.

وتجد بأنّ المسؤولين اللبنانيين غير عابئين بالفرصة الذهبية التي قدّمتها لهم فرنسا لإنقاذ بلادهم، والدليل أنّهم يفوّتونها عليهم وعلى الشعب اللبناني دون أن يقدّموا أي بديل عنها سوى المزيد من الإنهيار وأخذ البلاد نحو الفوضى الشاملة. في الوقت الذي لا يزال فيه الرئيس ماكرون وبلاده مستعدين لمساعدة لبنان على تحقيق الإصلاحات المطلوبة والتي تُشجّع المجتمع الدولي على دعمه إقتصادياً وماليّاً وسياسياً وعسكرياً.

ومن هنا، فإنّ المسؤولين، على ما شدّدت الأوساط نفسها، لن يقفوا مكانهم ويتشبّثوا بمواقفهم، بعد بيان وزارة الخارجية الفرنسية الذي يُعتبر بمثابة دقّ ناقوس الخطر مجدّداً، والتحذير من الشلل والفوضى. ولكن لتحريك الجمود الحاصل، لا بدّ من وسيط يقوم بترطيب الأجواء بين كلّ من باسيل والحريري من جهة، وبين جعجع والحريري من جهة ثانية، خصوصاً إذا كانت مجمل الكتل مقتنعة بضرورة عودته الى السراي بهدف إنقاذ لبنان. ولعلّ أفضل وسيط في المرحلة الراهنة، بحسب رأيها، هو رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، كونه غالباً ما يلعب دور الإطفائي بين المتنازعين قبل انتهاء المهل المحدّدة.

أمّا في حال تمسّك بعض رؤساء الكتل بمواقفهم، فعليهم عندها التحرّك وإيجاد البديل عن الحريري الذي يُمكن أن يُوافق عليه الثنائي- الشيعي وتسمّيه أو تقبل به الطائفة السنيّة ونادي رؤساء الحكومات السابقة كذلك. غير أنّ مثل هذه الخطوة قد تكون شبيهة بخطوة تكليف السفير مصطفى أديب الذي لم يتمكّن من تشكيل «حكومة المهمّة» بفعل العراقيل التي وُضعت أمامه من قبل الثنائي الشيعي الذي أصرّ على أن تكون وزارة المال من ضمن حصّته، وأراد تسمية وزرائها الشيعة.

من هنا، فإنّ التوافق على تكليف شخص معيّن من قبل غالبية الكتل النيابية، على ما أضافت، لا يعني أنّ الحكومة الجديدة ستُشكّل بعد ذلك في غضون أسبوع أو إثنين. لهذا، فما يهمّ هو التوافق على إسم الرئيس المكلّف، كما على صيغة الحكومة أكانت من المستقلّين والإختصاصيين، أو حكومة تكنوسياسية، أو اي طرح آخر قد يؤدّي الى التوافق عليها، ولا يجعل المبادرة الفرنسية تضيع على لبنان وشعبه.

فالشلل والفوضى، على ما نقلت الأوساط، لن يؤديان بحسب فرنسا، سوى الى تعطيل المؤتمر الدولي لدعم لبنان الذي يسعى الرئيس ماكرون الى تعبئة المجتمع الدولي من أجل تأمينه لإنقاذ لبنان من الإنهيار. فيما اتخاذ قرار النهوض عن طريق التوافقات الداخلية يُساعد كثيراً في تشجيع الدول المانحة على المضي قُدماً لمدّ يدّ العون والمساعدة للبنان نحو انتشاله من الإنهيار نحو الإزدهار الإقتصادي المنشود.