حين قرأ زعيم سياسي ما نقل عن ديفيد شينكر في قصر بعبدا، قال «هذه هي صديقتنا أميركا. لا تستغربوا أن نرى، يوماً ما، شينكر في الـضاحية» !

هذا حين تقتنع الادارة الأميركية، أي ادارة، بدعوة ناعوم تشومسكي الى الفصل بين الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة والأمن الاستراتيجي لاسرائيل.

حتى يحدث ذلك، تبقى أميركا «اسرائيل الكبرى»، واسرائيل «أميركا الصغرى».

كنا نعتقد أن البيوريتانز (الطهرانيون)، الذين هاجروا من أنكلترا الى الضفة الأخرى من الأطلسي في منتصف القرن السابع عشر، هم من تسللوا، توراتياً، الى الوجدان المسيحي في الولايات المتحدة، الى أن قرأنا كتاب صمويل غولدمان «بلاد الله»،

في الكتاب وثيقة تشير الى رسالة وجهها جون آدامز، أول نائب رئيس وثاني رئيس أميركي، الى اليهودي موردخاي مانويل نواه ، عام 1816، تمنى فيه أن تكون لليهود دولة يهودية في منطقة اليهودية في فلسطين.

هذا عن المسار الايديولوجي. المسار الاستراتيجي بدأ مع هاري ترومان الذي كان يراهن على أصوات اليهود في انتخابات 1948. لدى اعترافه باسرائيل، بعد ربع ساعة من اعلان دافيد بن غوريون قيامها، صاح «قوروش ... قورش»، في اشارة الى الأمبراطور الفارسي الذي حرر اليهود من السبي البابلي.

ترومان لم يكتف بذلك. في كتابه «التكوين، اليهود الأميركيون، وأسس الصراع العربي ـ الاسرائيلي»، نقل جون جوريس عن الرئيس الأميركي «المسيح، حين كان على الأرض، لم يتمكن من ارضاء اليهود. كيف يمكن لأحد ما أن يتوقع أن تكون لي مثل هذه الفرصة ؟».

بعدما نسب الى مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى تنويهه بـ «الدور الايجابي الذي يضطلع به الرئيس ميشال عون في قيادة مسيرة مكافحة الفساد، وتغيير النهج الذي كان في السابق»، سارع المتحدث باسم السفارة في بيروت كايسي بونفيلد الى التوضيح.

قال ان شينكر لمح الكلام المحفور على السيف المعلق في مكتب رئيس الجمهورية، والذي كتب عليه «الشفافية هي السيف الذي يقضي على الفساد»، معلقاً بايجابية على الكلام «كما حث الرئيس عون على استعمال سيف الشفافية وتغيير النهج».

للوهلة الأولى، ظننا أن انقلاباً حدث في الرؤية الأميركية للمشهد اللبناني. للوهلة الثانية، تساءلنا عن المقصود بتغيير النهج. أن يأمر رئيس الجمهورية الدبابات باقتحام الضاحية أم أن يحمل الرئيس سيف الشفافية ويفعل ما فعله الحجاج بن يوسف الثقفي في قطع الرؤوس ؟ من لا يعلم أن الولايات المتحدة هي من تحمي الأنظمة الأكثر فساداً في التاريخ ؟

لعل شينكر أخذ تعبير «تغيير النهج» من بعض وجوه المجتمع المدني الذين التقاهم في زيارته السابقة. هؤلاء اعتبروا أن التغيير يحصل بانتخابات نيابية مبكرة يحتلون عبرها ساعة النجمة، دون أن يتوافقوا على قانون للانتخابات (قانون ثوري)، ويفضي الى احداث تغيير في مفاهيم، وفي آليات، السلطة، وحتى في الأسس الفلسفية لاقامة الدولة الحديثة.

منذ الاستقلال وقوانين الانتخابات يجري تفصيلها على قياس أهل السلطة. قوانين فولولكلورية، وحتى عجائبية، الى أن استقرت رؤية المنظومة السياسية على بدعة دستورية لا نظير لها في التاريخ. الصوت التفضيلي الذي يجعل من الناس دمى سياسية، أو دمى طائفية، في الطوابير أمام صناديق الاقتراع.

لا أحد دعا شينكر الى تغيير النهج الأميركي في التعاطي مع قضايا، ومع مجتمعات، المنطقة. لو حدث التغيير لتوقفت لعبة الدم التي يبدو أنها تعيدنا، بخطى حثيثة، الى العصر الحجري.

من يمد يده الى بيونغ يانغ، ومن بعث بـ «أطيب التمنيات الى قندهار»، لا بد أن يقتنع، ذات يوم، بأن أحد المفاتيح الكبرى للشرق الأوسط موجود في الضاحية ...