بعد التناحر والشروط المضادة والألغام السياسية التي كانت سائدة، بين الرئيس سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل منذ فترة طويلة، وبصورة خاصة خلال مراحل تأليف كل حكومة بسبب الخلاف على الحصص الوزارية، بدا اليوم ذلك التناحر في خبر كان، فتناسى الطرفان تلك المرحلة بعد ضوء اخضر خارجي، ونصيحة من الداخل تلقاها باسيل لضبط الوضع مع الحريري، والاسراع في عملية التأليف لإنهاء الانهيارات المتتالية في لبنان. فحدث ذلك اللقاء الشهير بينهما خلال الاستشارات، وافيد بأنّ الاجواء كانت ايجابية كما تجري العادة خلال لقاءات المسؤولين اللبنانيين، وهذا ما صدر ايضاً عن الاجتماع الذي ُعقد في بعبدا بين رئيس الجمهورية والحريري ، الذي تمنّع عن الرد على اسئلة الصحافيين مكتفياً بتلك العبارة الايجابية، من دون ان يكشف ما دار ضمن شؤون وشجون الحكومة المرتقب تشكيلها، لكن ووفق مصادر مطلعة على ملف التأليف، فإن الاجتماع بحث العناوين العريضة للحكومة، مع ما ينتظرها من مهمات لضبط الاوضاع المتدهورة في جميع القطاعات، وحجمها ما بين 14 و20 وزيراً، مع التطرق الى كيفية توزيع الحقائب لكن ليس بشكل نهائي، لان هذه المسألة تحتاج تفاهماً مع كل المعنيين بالتشكيلة، فضلاً عن موضوع المداورة في الحقائب الذي سقط من التداول، ناقلة بأنّ بعبدا بدأت تنظر الى الحريري ببعض الايجابية لكن بحذر، واشارت الى انّ بعض الحقائب ستبقى في ايدي من تولاها سابقاً، اي المالية لحركة امل، والصحة لحزب الله، والطاقة للتيار الوطني الحر، من دون ان يكون وزراء هذه الحقائب من الحزبيين، فيما باقي الحصص المسيحية ستكون موضع تفاهم بين عون والحريري ، ولاحقاً وتحديداً يوم امس، افيد عن تحديد حجم الحكومة بـ 20 وزيراً بدل 41، مع الغاء وزارات ودمج اخرى.

الى ذلك، رأت المصادر المذكورة، بأنّ مهمة التأليف لن تكون سهلة وخلال ايام كما يشيّع البعض، على الرغم من بدء التفاهم بين الحريري وباسيل الذي تلقى نصيحة داخلية للتخفيف من شروطه، لانّ الحريري يتمتع بثقة خارجية عنوانها دعم فرنسي ورضى اميركي، اي انّ المرحلة الحالية لم تعد تنفعها الشروط، لان الضوء الاخضر الخارجي وصل نوره، لذا فالتفاهم مطلوب بشدة، وباسيل لن يخرج خاسراً كما يعتقد خصومه ،لانه سينال مطالبه ولو بطريقة مخفية غير بارزة، مع الاشارة الى ان طموحات باسيل بالرئاسة ما زالت سارية وهو ينظر دائماً الى البعيد ويخطط ، لذا يحتاج الى إعادة اللحمة السياسية مع الاكثرية بهدف التخفيف من الخصوم لان المصلحة تقتضي ذلك ، لافتة الى انّ الحريري ايضاً الذي كان يضع الشروط ويتمسّك بالتعنت والرفض، من خلال مقولته الشهيرة التي اطلقها بعد الاستقالة من رئاسة الحكومة في 29 تشرين الاول من العام الماضي، بأنه « لن يقبل ترؤس حكومة في عهد الرئيس ميشال عون»، عاد وفرض نفسه وترشحه من جديد في هذا العهد، مع قبوله الاجتماع بباسيل على الرغم من تكراره مراراً، بأنّ الاخير هو سبب خلافه مع العهد.

في غضون ذلك، تشير كواليس اللقاء بين الرجلين، الى انّ الرئيس المكلف بدا منفتحاً الى ابعد الحدود على رئيس التيار الوطني الحر، متحدثاً عن التعاون السابق وضرورة إعادته اليوم، من خلال فتح صفحة جديدة ونسيان تناحرات الماضي، فأتى رد باسيل ايجابياً ضمن جملة مختصرة مفادها «ما تتفقون عليه مع الرئيس سنوافق عليه»، في حين انّ نتائج هذا التفاهم سبق ان وُضعت نقاطه بين عون وباسيل، والحريري بالطبع فهم الرسالة، اي ان باسيل وضع الكرة هذه المرة في ملعب بعبدا، كي لا يقال دائماً بأنّ رئيس التيار هو سبب الاشكال في كل الحكومات، اي اثناء التكليف والتأليف، لذا فالايام القليلة المقبلة ستظهر نتائج هذه اللقاءات ومدى ايجابيتها، تحت عنوان إعتماد الرئيس المكلف على معايير واحدة مع الجميع، وعدم التعاطي بخفاء مع البعض، والسماح لهم بما لا يسمح لغيرهم، وخصوصاً تسمية الوزراء المسيحيين، عبر رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر والكتل المسيحية التي ستشارك في الحكومة، مع مراعاة تسمية اسماء وزراء غير حزبيين، وهذا هو شرط الحريري، لكن مقابل تفاهمه مع عون وباسيل، لانه يحتاج الى توقيع رئيس الجمهورية على التشكيلة الحكومية، التي تتطلب ميثاقية وتوازناً مسيحياً، كما حصل مع بقية الاطراف السياسيين الذين تفاهم معهم الرئيس المكلف، اي الثنائي الشيعي ووليد جنبلاط والمردة، وعندها ستتشكّل الحكومة في وقت قريب، اذ من غير المسموح سقوط التفاهم مع اي طرف، على حساب نجاحه مع طرف آخر.