تُشكّل عودة النازحين السوريين الى بلادهم احد أبرز الأمور التي بإمكانها التخفيف من الأعباء الإقتصادية التي يعاني منها لبنان حالياً، مع تردّي وضعه الإقتصادي والمالي شيئاً فشيئاً، سيما وأنّ 89 % منهم يرغبون بالعودة الى سوريا، وفق إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان. غير أنّ هذه العودة لا تزال ورقة سياسية تستخدمها الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي وكلّ الدول الرافضة لها وتربطها بالحلّ السياسي في سوريا، في الوقت الذي يتعامل فيه لبنان مع هذا الملف من المنطلق الإنساني لمصلحة كلّ من الشعبين اللبناني والسوري.

وناقش المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين السوريين الذي عُقد على مدى يومي 11 و12 تشرين الثاني الجاري، وشارك فيه لبنان ممثّلاً بوزير الشؤون الإجتماعية رمزي مشرفية الذي حضر شخصيّاً وألقى كلمة، وعبر تطبيق «زوم» بمشاركة وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبة الذي كان له كلمة أيضاً، كلّ ما يتعلّق بهذه العودة رغم معارضة بعض الدول الغربية والأوروبية لها، ومشاركة الأمم المتحدة بصفة مراقب فقط..

أوساط ديبلوماسية مطّلعة على خطّة عودة النازحين السوريين الى بلادهم، أكّدت أنّ الدول التي تدعم العودة حالياً هي تلك التي شاركت في المؤتمر الى جانب لبنان وهي الصين، روسيا، إيران، الإمارات العربية، باكستان وعمان. وتنطلق من فكرة أنّ المعارك قد انتهت في سوريا والوضع الأمني بات مستقرّاً ما يجعل الظروف ملائمة لعودة اللاجئين السوريين من دول الجوار والعالم. كذلك فإنّ لبنان يرى أنّ السبب الأساسي الذي دفع بالسوريين الى الهرب من بلادهم والنزوح الى لبنان ودول الجوار كان السبب الأمني وقد انتفى اليوم منذ وقت طويل، إذ توقّفت المعارك وجرى طرد الإرهابيين من مختلف المحافظات السورية، ما يجعل العودة آمنة بالنسبة لجميع السوريين.

وعلى هذا الأساس، جرى تكليف المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم باستلام هذا الملف شخصيّاً، بالتعاون مع الجانب الروسي الذي أطلق المبادرة الروسية منذ سنوات لكنّها لم تُستكمل بالشكل الصحيح بسبب عدم دعمها وتمويلها من المجتمع الدولي والأمم المتحدة. غير أنّ ابراهيم تمكّن من إعادة نحو 300 ألف نازح سوري الى بلده، ولهذا يُمكن اليوم استكمال هذه الخطوة إذا ما تمّ تسهيلها أيضاً من قبل الجانب السوري لتذليل بعض العقبات.

وأكّدت بأنّ لبنان يتعامل مع هذا الملف من الناحية الإنسانية، سيما وأنّ النازحين السوريين في لبنان يزدادون فقراً، كما هي حال اللبنانيين أيضاً في المرحلة الراهنة. ولهذا يقوم مع الجانب السوري بتأمين مراكز إيواء للعائدين في بلادهم الى حين تأمين عودتهم الى مناطقهم. وهذه المراكز هي أفضل لهم من بقائهم في الخيم في لبنان خصوصاً مع اقتراب موسم الشتاء الذي يزداد فيه البرد وتتساقط فيه الأمطار والثلوج في المناطق الجبلية. كذلك يُطالب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الموجودة أيضاُ في سوريا التي تُوافق الأمم المتحدة على أنّ ظروف العودة ليست ملائمة بعد، أن تُعطي إذا استطاعت نموذجاً واحداً عن تعرّض أي عائد لأي مشكلة في مراكز الإيواء. فكلّ المعلومات تشير الى أنّ وضع هؤلاء العائدين على أفضل ما يُرام، ولم يتعرّض أي منهم لأي سوء معاملة. وهذا الأمر من شأنه تشجيع النازحين الباقين في لبنان والذين يُشكّلون نحو ثلث سكانه على اتخاذ قرار العودة من تلقاء أنفسهم، على غرار الذين سبقوهم وعادوا، وذلك بهدف تحسين أوضاعهم الإقتصادية والمعيشية وللتخفيف بالتالي من العبء الإقتصادي على لبنان واللبنانيين.

وفيما يتعلّق برفض الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لهذه العودة بحجّة أنّ الظروف الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة للعودة ليست مؤاتية بعد على نطاق واسع، تقول الأوساط نفسها بأنّ الرواتب التي يقبضها النازحون السوريون في لبنان من قبل مفوضيّة اللاجئين هي التي تُشجّعهم على البقاء فيه رغم كلّ الظروف الصعبة التي يُعانون منها. ولهذا طالب لبنان الأمم المتحدة مراراً أن تقوم مفوضيتها العاملة في سوريا باحتضان السوريين العائدين وتعطيهم مثل هذه الرواتب في بلدهم الى حين تحسين أوضاعهم لكنّها رفضت. وهذا الأمر يجعل الدول الغربية قادرة على استثمار ورقة اللاجئين للضغط على الدولة السورية للموافقة على التسوية المنتظرة. ولهذا تجد الأوساط بأنّ أي عودة جديّة للاجئين والنازحين السوريين من لبنان ودول المنطقة والعالم لن تتحقّق قريباً.

أمّا عن العوائق والتهديدات التي يُمكن أن تُواجه عودة النازحين داخليّاً وخارجيّاً لا سيما ما يتعلّق بمسألة التجنيد الإجباري والإعتقال التعسّفي والإختفاء القسري والتعذيب والعنف الجسدي والتمييز في السكن والحصول على الأراضي والممتلكات، وكلّ هذه الأمور التي تُحذّر منها مفوضيّة اللاجئين، فوضعتها الأوساط العليمة في إطار تخويف النازحين من اتخاذ هذه الخطوة. وأوضحت بأنّ لبنان يعمل على حلّ مثل هذه العقبات مع السلطات المعنية بالنسبة للراغبين فعلاً بالعودة الى بلادهم، كونه يودّ مساعدة نفسه والنازحين السوريين الذين يرزحون تحت خط الفقر المدقع.

وأشارت الى أنّ لا شيء يمنع النازحين السوريين من العودة الى بلادهم، يكفيهم أن يحملوا أمتعتهم وأغراضهم ويعودوا عبر الحدود المفتوحة بين البلدين، إلاّ أنّ غالبيتهم لا تزال تفضّل الحرية التي تعيشها في لبنان، على كلّ ما يجري تخويفها بها في حال عادت الى سوريا.

في مطلق الأحوال شدّدت على أنّ لبنان يشعر بأنّ دول العالم غير متحمّسة لمساعدته على إعادة النازحين قبل إيجاد الحلّ السياسي للأزمة السورية، علماً بأنّ انتظار حلّ القضية الفلسطينية أبقى اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه منذ العام 1948 وحتى اليوم. لهذا فهو لن يُكرّر تجربة الإنتظار، ويريد حلّ مشكلته بتأمين العودة الآمنة للسوريين. وأشارت الى أنّ روسيا تُساعد لبنان في هذا السياق، وقد تبنّت الخطّة الحكومية للإستجابة لأزمة النازحين السوريين، وأبدت دعمها لها في نقطتين أساسيتين: الدعم اللوجيستي الذي يحتاج الى مبالغ طائلة لإعادة البنى التحتيّة وبناء المدارس والمستوصفات والمستشفيات ودور العبادة وما الى ذلك. والدعم السياسي وهو الأهمّ في الأمم المتحدة لتأمين عودة النازحين.