الفرنسيون يوشكون أن يغسلوا أيديهم مما فعلت أيديهم منذ مائة عام. صحفهم تتحدث عن «الدولة المستحيلة»، أو «الدولة الهجينة». دولة لبنان الكبير ماتت في الذكرى المئوية لولادتها. كيف يمكن، وأين يمكن دفنها؟

الصراع بين المسيحيين والمسيحيين لا يقل تعقيداً، وضراوة، عن الصراع بين المسلمين والمسلمين. نموذج «الميثاق الوطني»، وبالرغم من الزركشات الفولكلورية، سقط. وثيقة الوفاق الوطني، في الطائف، بالتعرجات الدستورية، وبالبهلوانيات اللغوية، تترنح، وان كان وزير الخارجية الفرنسية السابق ايف دو شاريت يرى أن المشكلة في الأحصنة الهرمة لا في النصوص الهرمة...

لا رجال من أجل لبنان. هؤلاء ليسوا رجال دولة. رجال الطوائف، ورجــال الــكراسي، ورجال الصفقات. هاجــس البقاء يلاحقهم. البقاء على الأرائك الذهبية بعدما تمكنوا من تدجين الرعايا (الضحايا) ليتحولوا الى هز البطن في حضرة هذا البلاط أو ذاك.

هكذا قيض للبنان أن يكون في وسط الصراع السوري ـ الاسرائيلي، أو في وسط الصراع الأميركي ـ الايراني. غداً في وسط الصراع الأميركي ـ الصيني. قدر لبنان، بالتــنوع الفذ، أن يكون ضحية هذه المنطقة الضائعة (ربما حتى يوم القيامة)، بين بقايا التاريخ وبقايا الايديولوجيا، والتي تدعى... الشرق الأوسط!

البطريرك مار بشارة بطرس الراعي رأى أن الخلاص في الحياد. الحياد بين من ومن ؟ لا شيء تغير في الخارطة السيكولوجية للقرن التاسع عشر. كل طائفة تسند ظهرها الى دولة ما. المنظومة السياسية التي تعاقبت على حكم لبنان منذ الاستقلال، لم تفعل شيئاً لتحويل هذا البلد من واقع ركام الى واقع جماعة.

أي حــياد اذا كنا مبعثرين على كل الخنادق، وعلى كل المفــترقات، وعلى كل الصراعات؟ ثم أين هو الوضع الدولي، أو الوضع الاقليمي، الذي يتيح تكريس حياد لبنان؟ هذا اذا أغفــلنا البعد البربري في العــقل الاســرائيلي، واذا لم نأخذ بالاعتبار أن ما أصاب ســوريا من ويلات، وما يمــكن أن يصيبها، لا بد أن تكون له تداعياته على مجمل الوضع اللبناني.

لسنا وحدنا الذين نشبه الدجاجة العرجاء. كل دول المنطقة لم تكن لتبقى لولا الأساطيل التي على أبواب غرف النوم. ربما داخل غرف النوم. المثير أن يقال أن لبنان، وبسبب تعدد الاتجاهات، وبسبب تعدد الولاءات، هو وحده الذي (كان) يقف على قدميه من دون مظلة عسكرية. ولكن ما الفارق بين قبعات الأميرالات وقبعات القناصل؟

جاء باتريك دوريل الى لبنان ليحذرنا. أكثر من مرة قال «هذه هي المحاولة الأخيرة»، أو «هذه هي الفرصة الأخيرة».

الى متى يبقى الرئيس سعد الحريري صامتاً كأبي الهول. أليس من حقنا ( ولو كنا على شاكلة الماعز) أن نعرف لماذا لا حكومة حتى الآن، ومن يعيق تشكيل هذه الحكومة التي يمكن أن تفتح الباب أمام خلاص ما للعبور من جهنم الى أي مكان آخر، وان قيل ان الذهاب الى صندوق النقد الدولي، بمثابة الذهاب... الى جهنم الأخرى؟

ندرك أن أولياء أمرنا، أو بعضهم على الأقل، يريدون اســتعادة تجــربة الألواح الخشبية الناطقة، دون الاكتراث بأوجاع الناس الذين ينطبق عليهم عنوان الكتاب الشهير لفرانز فانون «معذبو الأرض».

هل حقاً ان الفرنسيين أعدوا لائحة بمائة شخصية لبنانية، وتتمتع بكفاءات استثنائية في مجالات شتى، دون أن يتوقف أهل السياسة عند أي من هذه الأسماء التي لا تعنيهم من قريب أو من بعيد باعتبارها لا تمت بصلة الى ثقافة المافيا، والى منطق المافيا؟

لسنا، كشعب، من يخيفهم. حتى ظل دونالد ترامب يثير الهلع لديهم. ذلك الأمبراطور برأس الحانوتي الصغير الذي يضرب بعصا ديفيد شينكر، لكأنها عصا يوشع بن نون، على ظهور الساسة عندنا. ولكن ألا يوجد بيننا من يهلل للعصا؟

لا تنسوا أن الزبائنية مظهر من مظاهر العبقرية اللبنانية!!