في إطار المشاكل الكُبرى التي يُواجهها لبنان على مُختلف الصُعد، عاد الحديث بقُوّة في الأيّام والأسابيع القليلة الماضية، عن إمكان دُخول لبنان في الظُلمة، إضافة إلى تعطّل شبكتي الهاتف والإنترنت فيه، إعتبارا من نهاية العام الحالي! فهل هذه المُخاوف في محلّها؟

بحسب أوساط إقتصاديّة مُطلعة إنّ التهديد بالعتمة الشاملة بعد أقلّ من شهر ونصف الشهر، ليس من نسج الخيال، بل هو بسبب إبلاغ شركة «سوناطراك» الجزائريّة، وزير الطاقة في حُكومة تصريف الأعمال ريمون غجر في 4 حزيران الماضي، عدم رغبتها بتجديد العقد الموقّع معها، على أن تواصل تزويد لبنان بحاجته من «الفيول أويل» حتى 31 كانون الأوّل المُقبل، علمًا أنّ لبنان كان إستفاد من خدمات هذه الشركة على مُستوى توليد الطاقة منذ العام 2005 حتى تاريخه، والعقد معها كان يتجدّد دوريًا كل ثلاث سنوات. وإستبعدت الأوساط أن تكون الشركة الجزائريّة تُناور وتسعى لتحسين شروطها، بعد الضرر المَعنوي الذي لحق بها، عندما جرى إتهامها إعلاميًا بإستيراد وبإستخدام كميّات مغشوشة من الفيول، وعندما تمّ فتح تحقيق بالموضوع مع توقيف نحو 12 شخصًا معنيًا، مُتوقّعة أن يكون قرارها بفسخ العقد نهائيًّا.

ودعت الأوساط نفسها الدولة بكامل مسؤوليها إلى المُسارعة إلى تأمين البديل لتوليد الطاقة، لأنّ المسألة تتجاوز سُلطات وزارة الطاقة، وتشمل مجلس الوزراء ككلّ، خاصة وأنّ ملف الكهرباء في غاية الأهميّة ويطال مُختلف القطاعات الصناعية والإقتصاديّة والتجاريّة والإستشفائيّة وغيرها، وليس منازل اللبنانيّين فحسب. وقالت إنّ على الدولة المُباشرة فورًا، ومن دون أيّ يوم تأخير إضافي، بتحضير عُقود ومُناقصات تجذب من خلالها الشركات القادرة على بيعها الوُقود المُستخدم لتوليد الطاقة الكهربائيّة. وتخوّفت من أن لا تنجح السُلطات المعنيّة بذلك في الوقت المناسب، لأنّ شركة «سوناطراك» كانت تؤمّن «الفيول أويل» للبنان من دون أن تحصل على إعتمادات مُسبقة، بمعنى أنّ الدولة اللبنانيّة كانت تستفيد من مهلة سداد مرنة للمُستحقات، الأمر الذي قد لا يكون مُتاحًا في حال توقيع أيّ عقد جديد مع شركة أخرى، ما يعني أنّ على الدولة عندها تأمين الإعتمادات الماليّة بشكل فوريّ. وكشفت الأوساط أنّه تواتر إليها أنّ الحلّ قد يكون بأن تلجأ وزارة الطاقة إلى شراء الفيول والمحروقات من موازنتها الخاصة، من مورّدين غير ثابتين، وتحديدًا من بواخر مُحمّلة بالنفط موجودة في البحر، مع ما يعنيه هذا الأمر من عدم إستقرار مُرتقب في عمليّة التغذية، مُذكّرة بأنّ معملي الذوق والجيّة، يحتاجان إلى فيول يُصنّف بدرجة «ألف»، في حين أنّ معمليّ دير عمار والزهراني يُشغلان على المازوت، بينما سُفن توليد الطاقة التركيّة تحتاج إلى فيول يُصنّف بدرجة «باء».

وكشفت الأوساط الإقتصاديّة نفسها عن إجتماعات تجري على مُستوى المجلس المركزي في مصرف لبنان، للبحث في خيار رفع الدعم، الذي يُمثّل مُشكلة كبرى لا تقلّ خطورة على مُستوى إستمرار توفّر الطاقة الكهربائيّة للبنانيّين، مُتوقّعة أنّ تتواصل هذه الإجتماعات خلال الأسابيع القليلة المُقبلة. وأضافت أنّه يوجد توجّه لعدم وقف الدعم بشكل كامل ومفاجئ، بل بتخفيف الدعم عن بعض السلع، وكذلك بتقليصه تدريجًا عن السلع الأساسيّة غير القابلة للإستبدال. ونبّهت إلى أنّه في حال رفع الدعم عن المحروقات، فإنّ سعر صفيحة المازوت قد يرتفع إلى ما بين 50 و60 ألف ليرة لبنانية، ما يعني أنّ تسعيرة إشتراك 5 «أمبير» سترتفع بنحو 3 إلى 4 أضعاف، وعندها ستُصبح أصغر فاتورة بمئات آلاف الليرات، بشكل سيعجز المواطن العادي، كما التاجر عن تسديدها!

وعلى خطّ العقد المُوقّع بين وزارة الإتصالات وشركة «أوجيرو»، أشارت الأوساط الإقتصاديّة نفسها إلى أنّ الأمور ليست أفضل حالا، حيث أنّ العقد مع الشركة ينتهي آخر هذه السنة، علمًا أنّ اللجوء إلى عقد جديد يحتاج إلى حكومة كاملة الصلاحيّات، وليس إلى حُكومة تصريف أعمال. وتوقّعت الأوساط تراجع خدمات الإتصالات والإنترنت بشكل خطير سيُهدّد المَنظومة الإقتصاديّة كلّها، في حال عدم مُعالجة الموضوع بالجديّة الكاملة، لأنّ «هيئة أوجيرو» تقول إنها لم تقبض مُستحقّاتها عن العام 2020 والبالغة نحو 42 مليار ليرة لبنانية. وأضافت الأوساط أنّ الشركة المَذكورة كانت أبلغت وزير الإتصالات في حُكومة تصريف الأعمال طلال حوّاط أنّ «هيئة أوجيرو» ستتوقف عن أداء أعمالها المُرتبطة بتشغيل وبصيانة شبكتي الهاتف والإنترنت، بعد توقّف صرف الأموال لها. وأوضحت أنّ تجميد دفع الأموال جاء على خلفيّة تحقيق مالي فتحته النيابة العامة لدى ديوان المُحاسبة، وبيّن وُجود فارق لا يقلّ عن 11 مليار ليرة لبنانيّة، بين نفقات تقديريّة كانت جرت الموافقة عليها مُسبقًا من جهة، والنفقات التشغيليّة الفعليّة من جهة أخرى، مُشيرة إلى أنّ هذه الأرقام التي تبلغ 53 مليار ليرة ككلفة تشغيليّة فعليّة، بدلاً من 64 مليار ليرة لبنانيّة ككلفة مُقدّرة، تعود إلى السنة التشغيليّة 2019. وتابعت الأوساط أنّه إضافة إلى المشاكل القضائيّة المَفتوحة، والخلافات والمُناكفات بين المسؤولين ومن يقف وراءهم من قوى سياسيّة، فإنّ أزمة إرتفاع سعر صرف الدولار أرخت بثقلها على خدمات هيئة أوجيرو أيضًا، حيث أنّ العديد من المُورّدين إعتذر عن مواصلة القيام بخدمات الصيانة أو حتى عن مدّ وتركيب خُطوط جديدة، ما لم يتمّ تسديد مُستحقّاتهم بالدولار الأميركي.

وختمت الأوساط الإقتصاديّة كلامها بالمُطالبة بالعمل على مُعالجة الشرايين الحيويّة لأي بلد، أي الكهرباء والإتصالات والإنترنت، لأنّ توقف هذه الخدمات يعني ضرب وتوقف كل القطاعات الأخرى، وبالتالي الرجوع إلى العصر الحجري!