مع اقفال أبواب المساعدة الخارجية للبنان من خلال الانسحاب الخليجي الهادىء عن الساحة اللبنانية ولو على المستوى السياسي والديبلوماسي في الوقت الراهن، تتخوف مصادر وزارية سابقة من أن تكون عواصم القرار العربية والغربية باستثناء الاتحاد الأوروبي قد اتخذت قرارا بالابتعاد عن لبنان وعن ممارسة أي دور انقاذي له في أزمته السياسية والمالية، علماً أن هذاالقرار قد سبق وأشار إليه منذ أشهر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عندما كشف عن توجه خارجي بترك لبنان لمصيره بالنسبة للأزمة المالية الحادة التي يمر بها والتي انعكست على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية وبرزت مؤشراتها بشكل متسارع في الأيام القليلة الماضية مع ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي من السوق السوداء المحلية.

وإزاء هذا المشهد تبدي المصادر الوزارية نفسها خشية ملحوظة من عودة الحديث عن ترشيد الدعم المالي المقدم من مصرف لبنان بالنسبة لبعض السلع الضرورية ولو ان التمهيد يجري حاليا من خلال طرح رفع الدعم عن السلع غير الاساسية وذلك من أجل السماح باستمرار الدعم من القمح والفيول والدواء في ضوء معلومات متداولة عن بدء الأعداد للوائح السلع المدعومة حاليا في الاسواق والتي لن يؤثر أي قرار برفع الدعم عنها على الواقع المعيشي للمواطنين وفق الجهات التي تعمل عليها في وزارة الاقتصاد، كونها تندرج في لائحة المواد غير الاساسية في حياة اللبنانيين اليومية.

وفي موازاة التداعيات المرتقبة على مثل هذه الإجراءات تكشف المصادر الوزارية السابقة والتي سبق وأن عملت على خط الواقع الاقتصادي الصعب بأن الغطاء السياسي لم يتوفر إلى اللحظة الراهنة على أي قرار برفع الدعم سواء جزئيا أو كليا عن المواد المدعومة علما أن اكثر من إنذار قد أطلقه في الآونة الاخيرة حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة حول اقتراب الاحتياطي في «المركزي» من نقطة الخطر نتيجة تغطية الفارق بين سعر الدولار الرسمي والسعر المتداول في السوق السوداء. ووفق هذه المصادر فإن نقاشا يدور في الكواليس السياسية وتحديدا في أروقة المجلس النيابي، يتناول عملية التخفيف من حجم الدعم المالي من المركزي من أجل حماية مؤونة المصرف من العملات الأجنبية حيث انه ما طرح بالنسبة لملف الدواء ربما يكون مناسبا لكي ينسحب على قطاعات اقتصادية وتحديدا صناعية أخرى.

والسؤال الاساسي الذي تطرحه غالبية الكتل النيابية كما الهيئات الاقتصادية يتركز حول الآليات الواجب اعتمادها من أجل أن تصل القرارات المرتقبة إلى الجهات والطبقات الفقيرة لكي تصمد في وجه الأزمة الاقتصادية الخطيرة وذلك على المستوى الأول كما تؤكد المصادر والتي تشير إلى مستوى ثاني يجري العمل عليه وهو يتمحور حول كيفية الحؤول دون استمرار عمليات تهريب للمواد المدعومة على اختلاف أنواعها وذلك انطلاقا من التجربة السابقة التي برهنت ان نزيف العملات الاجنبية في المصرف المركزي يذهب بشكل خاص وعلى الرغم من كل الإجراءات الرادعة إلى مصلحة المهربين الذين يستغلون الأزمة الحالية لتحقيق مكاسب مادية كبيرة.

وإذ تلفت المصادر الوزارية نفسها إلى اقتراح رفع الدعم من قبل «كتلة اللقاء الديموقراطي» بالأمس، فهي تعتبر أن تغطية مثل هذا الإجراء من الناحية السياسية وتحديدا من قبل كتل نيابية دون أخرى ، دونها محاذير عدة وفي مقدمتها ردة الفعل من قبل الرأي العام والتي سوف تتمثل بعودة التحركات الشعبية إلى الشارع وربما بشكل أقوى من السابق.

وكان الحزب التقدمي الاشتراكي عقد مؤتمراً صحافياً امس في مركز الحزب في بيروت طرح خلاله اعادة توحيد الدعم وترشيده، وقال امين سرّ «كتلة اللقاء الديموقراطي» هادي ابو الحسن: «أمام الواقع الذي نعيشه، الهدف الاساسي من الدعم هو مساعدة الفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، لا كبار التجار والمحتكرين او المهربين ما يؤدي حاليا الى خلل كبير اذا ما استمر على ما هو عليه سيوصلنا حتما الى عدم القدرة على الاستمرار بالدعم وعندها سيقع المحظور، لذا كان قرارنا في التقدمي الإشتراكي انطلاقا من قناعاتنا وايماننا بضرورة تأمين العدالة الإجتماعية والأمن المعيشي والحماية للطبقات المحتاجة، أن نتصدى بجرأة لموضوع الدعم العشوائي والتقدم باقتراح واضح وجريء بإعادة النظر في كل القواعد المتبعة للدعم، وذلك بإعادة توجيهه نحو الفئات ذوي الحاجة، وترشيده بما يحد من استنزاف الاحتياطي المركزي، ورفعه عن كل ما هو ليس ضروريا وعن كل الفئات غير المستحقة لمصلحة الفئات المستحقة حصرا».