في اخر اطلالة اعلامية له، اطلق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، موقفا لافتا بدعوته للعودة الى «المقاومة» التي نشأت في احداث العام 1975 لأن الاوضاع الحالية في لبنان من سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية، والهيمنة على قرار الدولة يشبه تلك المرحلة من سبعينات القرن الماضي وفق توصيفه قاصدا بسيطرة «السلاح الفلسطيني» على مقومات الدولة واستقواء طرف لبنان او اكثر به داخليا، بعد ان تم تشريع هذا السلاح في اتفاق القاهرة الذي عقد بين الجيش اللبناني ممثلا بقائده العماد اميل البستاني آنذاك، ورئىس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، برعاية الرئىس المصري جمال عبد الناصر في 1969.

فتلك المرحلة اسست لحرب اهلية، وحملت دعوات لاصلاح النظام السياسي من قبل الحركة الوطنية اللبنانية، اضافة الى التدخلات الدولية والاقليمية في لبنان، التي تصارعت عليه مصالح امم ولعب الوجود الفلسطيني المسلح دورا في اخلال التوازن الداخلي، من خلال خلق بيئة حاضنة له، تمركزت في الطوائف الاسلامية، والاحزاب الوطنية والتقدمية واليسارية، اذ وقف بوجه «السلاح الفلسطيني المشرعن» الاحزاب اليمينية التي في غالبيتها مسيحية كالكتائب والوطنيين الاحرار بشكل اساسي وحيّد حزب الكتلة الوطنية برئاسة العميد ريمون اده، نفسه عن الصراع وطرح نشر قوات دولية في الجنوب لحماية لبنان، الا ان المشروع الاميركي الذي حمله وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر، فجّر الوضع في لبنان لتمرير صفقة سلام كان يعمل عليها بين انظمة عربية وتحديدا مصر والاردن والعدو الاسرائيلي، وتوطين الفلسطينيين ورفض حق عودتهم.

تلك المرحلة التي يتحدث عنها رئىس حزب «القوات اللبنانية» قد تكون مشابهة لهذه الفترة التي تزداد الضغوط الاميركية على لبنان لنزع سلاح حزب الله وفق مصدر حزبي في 8 آذار وخط المقاومة الذي يرى بأن العقوبات الاميركية التي فرضت مؤخرا على رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وقبله على الوزيرين علي حسن خليل (حركة امل) ويوسف فنيانوس (تيار المردة) تقع من ضمن المشروع الاميركي في لبنان وهو انهاء المقاومة فيه، ورفض وجود قوى منها او حليفة لها في السلطة وهذا ما تعرض له لبنان في السبعينات والثمانينات من حروب فرضت عليه سواء كانت اهلية او غزوات واجتياحات واحتلالات صهيونية، وصلت الى العاصمة بيروت، ولم يبق جندي «اسرائىلي» محتل في لبنان وخرج اخرهم في 25 ايار 2005، كما سقط اتفاق 17 ايار مع الكيان الغاصب، في الاشهر الاولى من العام 1984 وحوصر عهد امين الجميل الذي حالف حزبه العدو الاسرائىلي.

ولم يخطئ جعجع في التوصيف بأن المرحلة سبعينية لان المستهدف هو المقاومة ضد العدو الاسرائىلي سواء كانت لبنانية او فلسطينية وان الانهيار الذي وصل اليه لبنان له اسبابه الداخلية التي يستغلها الخارج في الفساد والهدر والصفقات وعدم المساءلة والمحاسبة والتدقيق في الموازنات، يقول المصدر الذي يحذر من كلام جعجع ويعترف بأن القوى في محور المقاومة فشلت في بناء دولة وقدمت نموذجا لإدارة نظيفة في الدولة واقامت اقتصادا متينا قائما على الانتاج فشارك من كان في السلطة منها في تقويض مؤسسات الدولة والوصول بالشعب الى الفقر والجوع، وهم شركاء مع اطراف سياسية اخرى ليست في الموقع السياسي نفسه، في الانهيار، الذي من نتائجه السلبية، بأن تفرض شروط على لبنان لمساعدته، قد يكون عنوانها الاصلاح المالي والاقتصادي، لكن قد يتم التسلل منه، الى فرض الاستسلام امام العدو الاسرائىلي.

ويبقى ما طرحه جعجع، حول ضرورة عودة المقاومة بمضمونها الذي كانت عليه في العام 1975 في الدفاع عن «المناطق المسيحية» وفق اللغة السياسية للقوات التي عادت لتسود في ما كان يسمى «مناطق شرقية» وان كان مرجع فيها، ينفي العودة الى مرحلة الحرب الاهلية، بل الى مقاومة سياسية ومواجهة من افقر المواطنين، وتدخل في هذه المقاومة رفع الهيمنة عن قرار الدولة والتي يقوم بها حزب الله وتقع على رئاسة الجمهورية كما على الحكومة ومجلس النواب واجهزة عسكرية وامنية اذ يؤكد المرجع بأن العصيان المدني قد يكون احد الاساليب لتحرير القرار اللبناني من سيطرة حزب الله عليه، وهو مضمون المقاومة، التي يمكن ان يطلق عليها «المقاومة المدنية».

واستحضار مرحلة السبعينات التي اختلطت فيها النضالات المطلبية والنقابية والاصلاحية، وما هوما طرحه «الحراك الشعبي» ومع سلاح «حزب الله» قد يعيد عقارب الساعة الى الوراء، ويقع اللبنانيون في فتح الفتنة.