حساب، محتوى ومتابعون. ثلاث كلمات قلبت مقاييس البطالة! بعد توقّع الشركة الدّوليّة للمعلومات إرتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو مليون لهذا العام، بات الشاب اللبناني «يحلم» بوظيفة يستثمر فيها مهاراته ويستقر مادياً. وفي ظلّ غياب فرص عمل، ظاهرة الإستثمار على وسائل التواصل الإجتماعي تبصر النور. فكيف يسعى الشاب اللبناني ليصبح منتجاً في صدد الأزمة الإقتصادية والصحيّة التّي تعصف البلاد؟ وهل تعتبر هذه الظاهرة نوعاً من البطالة أو الإبتكار؟

مطبخ متواضع بين جدران البيت، كان أكثر من كاف ليستطيع أسعد الحكيم،شاب في الثامن والعشرين من عمره،تأمين لقمة عيشه من عرق جبينه. فبعدما خسرعمله كمهندس، بسبب الأزمة الإقتصاديّة، لجأ إلى خلق صفحة على وسائل التواصل الإجتماعي،بالتعاون مع زميلته برلا الدهني، ليبدأ بيع منتوجاته الناجمة من مخبزته المنزلية.

منذُإنطلاقة الحساب في الأوّل من آب، باع أسعد ما يقارب 200 طلبية وأكثر من 1000 قطعة. «بدأتُ ببيع الأصحاب والأقارب ولكن اليوم 80% من زبائني ليسوا من معارفي. أمّا بالنسبة للأرباح فهي 100%، ولكن اليوم وفي ظلّ الظروف السيئة، تُعتبر هذه الأرباح «وهميّة».لذا أعمل قدر الإمكان على تطوير هذا المشروع».

 

 مجاني، سهل وفعّال

يقول مستشار التسويق الرقمي رولان عون أنّ الأسباب التّي دفعت الشباب الإستثمار على وسائل التواصل الإجتماعي تعود أوّلاً «لكلفتها المتدنية إذ يمكنهم خلق حسابات مجانية. السبب الثاني يعود لمدى سهولة البيع عليها والإستغناء عن كلفة الأجار، التوظيف، رسوم بلديّة وغيرها، مقارنةً لفتح محل تجاري فعلي».

وأضاف عون: «إنّ الصفحات الرقمية فعّالة جداً اليوم إذ أنّ عادةً ما يتبع التاجر سلوك المستهلك. واليوم النسبة الأكبر من المستهلكين باتوا يشترون إلكترونياً، وإستغنوا عن التسوق الحضوري خصوصاً بإلتزامهم الحجر المنزلي».

 متابعون ومحتوى؟ أرباح في الجعبة!

«بسبب الأوضاع الإقتصاديّة، قررت إفتح صفحة وساعد أهلي». خلقت ماريا دكّاش، شابة في الثاني والعشرين من عمرها،حساباً كون والديها يملكان محلاً تجارياً يقفل أبوابه مع كل تعبئة عامة. لذا، خلقت هذا الحساب لتبيع البضاعة وتدخل إلى عالم التجارة،في صدد عملها كمترجمة شبه مجانياً في زمن اللاتوظيف.

وفي السيّاق، تستفيد ماريا من صفحتها الخاصة كونها تتمتع بعدد كبير من المتابعين، لكي تعلن عن الحساب التجاري وتصل بذلك إلى أكبر عدد ممكن من المستهلكين. منذُ أوّل إنطلاقة الحساب شهر تشرين الأوّل، «بعت أكثر من مئة طلبيّة كون الأسعار مدروسة مقارنةً لأسعار السوق. ورغم ذلك فإنّني مازلت أحقق أرباحاً مجدية».

 بطالة أو إبتكار؟

يشير الخبير الإقتصادي فؤاد حمصي إلى أنّ «سوق العمل بات جامداً فيما هناك فائض بعدد خريجي الجامعات. هذا ما أدّى إلى عدم قدرة سوق العمل للتطور مقارنةً لمدى تطوّر الخريجين. لذلك نشهد عدداً كبيراً منهم غير قادرين لإيجاد فرص عمل في مجالاتهم.

فلجوء هذه الأفراد إلى مصدر مختلف لتحقيق أرباح ماديّة، هو مؤشر جيّد جداً إذ يؤكد أنّ لديهم مهارات تسمح لهم بالعمل في أي مجال يفيدهم، والقدرة على الإستجابة لأي ظرف يمرّون به. إذاً، هذه الظاهرة ليست نوعاً من أنواع البطالة إنما هي نوع من مرونة في العمل».

ووفقاً لدراسة «شركة وايتشيلد»، «إنّ سوق العمل في لبنان لا يتوّفر فيه حوافز لجذب والإحتفاظ بالمواهب. كما أنّ سياسات العمل ضعيفة الفعّالية والبيئة التنظيمية لا تسمح للفرد الإبتكار». وإستخلصت الدراسة أنّ «نظراً للأزمة السياسية والإقتصادية الحالية، ومع إرتفاع نسبة البطالة والفقر، يجب التشديد بتحسين المرونة في سوق العمل».

 «لأ ما عندي أمل بالبلد»

فيما تبدو هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً، وفيما تبيّن مدى عزيمة أسعد وماريا على الصمود بوجه عاصفة البطالة يؤكدا أنّهما غير آملين بالبلد. أسعد أنشأ صفحته لأسباب ماديّة ولكي يبقى على قيد الحياة بمعنى أو بآخر. «حاولت أكثر من مرّة تقديم على فرص عمل في الخارج ولكن حتّى الآن لا إجابة». ومن جهتها، أكدّت ماريا أنّها تطمح لتطوير صفحتها ولكن مع أوّل فرصة، لن تفكر مرتين وحتماً ستهاجر.

أسعد وماريا بدأا هذا المـسار من بين كُثُر لجأوا إلى وسائل التواصل الإجتماعي ليؤمنـوا لقمة عيشـهم من عـرق جـبينهم. ففي ظلّ فرض التعبئة العامة وعدم إنقاذ عداد البـطالة ولا الهجرة، الشاب اللبناني يحاول جاهداً إيجاد حلول فعّالة بنفسه. شكراً يا وسائل التواصل الإجتماعي لأنك تنــقذين الــشباب من حيث لا تدري. تنقذين شاب يريد الهجرة ولم يستطع. تنقذين شاب يريد فرصة عمل ولم يجد. تنقذين شاب يبحث عن الإستقرار المادي ولاقى من خلالك بصيص أمل.