سَقطت الرهانات على أنّ تكليف رئيس «تيّار المُستقبل» سعد الحريري في 22 تشرين الثاني الماضي تشكيل الحُكومة الجديدة، جاء بناء على تفاهمات محليّة وإقليميّة مُتقاطعة، ومرّ شهر كامل من دون أن تُبصر الحكومة المَوعودة النور، والأخطر أنّ الأمور تعقّدت أكثر مع الوقت، الأمر الذي إنعكس مزيدًا من التدهور على مُختلف الصُعد! فما الذي يحصل؟

بحسب أوساط سياسيّة مَحسوبة على «تيّار المُستقبل»، إنّ الحريري مُلتزم تنفيذ المُبادرة الفرنسيّة بحذافيرها، والعرقلة ليست من جانبه، بل من جانب من وافق على كامل بُنود هذه المُبادرة أمام الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون شخصيًا، ثم عاد وتراجع عن إلتزاماته لاحقًا! وأضافت أنّ الحريري مُصرّ على تشكيل حُكومة إنقاذ غير سياسيّة ومُصغّرة قدر المُستطاع من حيث الشكل، وتضمّ وزراء إختصاص غير حزبيّين يحملون برامج إصلاحيّة من حيث المضمون. وتابعت الأوساط نفسها أنّ على كل الأفرقاء إدراك حجم المخاطر الراهنة على الأمن الإجتماعي في لبنان، وتقديم المَصلحة الوطنيّة الكُبرى على المصالح السياسيّة والحزبيّة الضيّقة، بما يسمح بتشكيل حكومة إنقاذيّة مُتماسكة، قادرة على تأمين الدعم المالي المَطلوب للبنان من دون أيّ تأخير إضافي.

من جهة أخرى، وبحسب أوساط سياسيّة مَحسوبة على «الثنائي الشيعي»، إنّ المُوافقة على تسهيل تشكيل حكومة إصلاحيّة، وعلى مدّها بالدعم المَطلوب، لا يعني بأيّ شكل من الأشكال إلغاء نتائج الإنتخابات النيابيّة الأخيرة، أو الإخلال بالتوازنات السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة الدقيقة، الأمر الذي يستوجب من الجميع العمل على الإستفادة من المناخ المُؤاتي لمساعدة لبنان، لكن بشرط عدم تنفيذ أيّ أجندات دَوليّة مَشبوهة تُحاول النيل من نقاط قوّة لبنان، لا سيّما لجهة ضرب مُقاومته ومُحاصرة شعبه، بهدف نقله إلى مواقع ومحاور دفع الشعب اللبناني الدماء الغالية لإسقاطها في الماضي، وفي الأمس القريب أيضًا! وعلى خطّ مُواز، رأت أوساط سياسيّة مَحسوبة على «التيّار الوطني الحُر»، إنّ مُحاولات تجاوز الدُستور والإلتفاف على صلاحيّات رئيس الجُمهوريّة العماد ميشال عون لن تمرّ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مُحاولات إعادة عقارب الساعة إلى مرحلة ما قبل العام 2005، لأنّ في القصر الجمهوري رئيسًا لا يُساوم على المبادئ، وهو مدعوم من قوّة سياسيّة وشعبيّة فرضت حُضورها بالأمس القريب، وهي جاهزة لتكرار الأمر نفسه اليوم وغدًا، في حال أصرّت أيّ جهة على ضرب النسيج اللبناني وعلى مُحاصرة أي طائفة أو تجريدها من حُقوقها المشروعة.ودعت هذه الأوساط لمتابعة كلمة فخامة الرئيس خلال الساعات المُقبلة، لما ستتضمّنه من توضيحات لنقاط عدّة. 

إلى ذلك، أكّد مصدر نيابيّ أنّ ما يحصل على خطّ تشكيل الحُكومة مُستغرب جدًا، مُتوقّعة أن لا يُوصل أسلوب التأليف المُتبع من جانب رئيس الحُكومة المُكلّف إلى أيّ نتيجة إيجابيّة، لأنّ التباين شاسع بين القوى المعنيّة بعمليّة التشكيل. وقال إنّ إبعاد القوى السياسيّة عن مُجريات التأليف لا يُمكن أن ينجح في لبنان، خاصة وأنّ الحكومة بحاجة إلى ثقة مجلس النواب بعد تشكيلها، وهذا الأخير خاضع لسيطرة مجموعة من القوى الحزبيّة التي لا يُمكن تجاهلها. وأضاف المصدر نفسه أنّه حتى الإتصالات الثُنائيّة بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة المكلّف لا تسير على ما يُرام، بسبب خلافات على الصلاحيّات، وتباين في النظرة إلى عمليّة التأليف ككل، ناهيك عن الضُغوط الدَوليّة على رئيس الحُكومة المُكلّف والتي تحدّ من قُدرته على المُناورة.

ورأى المصدر النيابي أنّ عِقدة مَخفيّة وراء العَرقلة المُتعمّدة حُكوميًا، حيث تُوجد رهانات مُتضاربة على تحوّلات إقليميّة ودَوليّة من شأنها أن تُرخي بثقلها على الواقع اللبناني. وأوضح أنّ البعض يُراهن على تسوية إقليميّة جديدة بين واشنطن وطهران في الأشهر القليلة المُقبلة، سيستفيد لبنان من إرتداداتها، بينما البعض الآخر يُراهن على الضغط العربيّ ـ الدوليّ الشديد القائم على لبنان حاليًا، لنيل تنازلات لم تكن واردة لو لم يبلغ لبنان شفير الهاوية.

ونبّه المصدر نفسه من أنّ وضع لبنان الكارثي على مُختلف الصعد، بدءًا بالأوضاع الماليّة المُتدهورة جدًا للدولة، مُرورًا بالأوضاع الإقتصاديّة المُنهارة على مُستوى الدورة الإقتصاديّة والحركة التجاريّة، وُصولاً إلى الأوضاع الحياتيّة والمعيشيّة المُزريّة للشعب اللبناني، لا تحتمل بأيّ شكل من الأشكال ربط تأليف الحُكومة بالتسوية الإقليميّة المُراهن عليها بعد إستلام الرئيس الأميركي المُنتخب جو بايدن السُلطة، ولا بأي عُقوبات أو ضُغوط أو حتى ضربات أمنيّة قبل ذلك، مُحذّرًا من مغبّة رمي أي حُكومة أمر واقع على الطاولة! وقال إنّ الإدارة الأميركيّة، وحتى بعد حلّ المُعضلة القضائيّة القائمة في واشنطن حاليًا، بحاجة لأشهر طويلة لدراسة كلّ الملفات، وخلال هذا الوقت المُستقطع من المُستبعد أن تحصل أيّ تسوية، حتى لوّ صفت النيّات، علمًا أنّ التجارب مع الإدارات الأميركيّة المُتعاقبة علّمتنا أنه في القضايا الإستراتجيّة الكبرى لا تغييرات تُذكر، بغضّ النظر عن هويّة الرئيس في البيت الأبيض وعن هوية الحزب الحاكم في أميركا.  

وختم المصدر النيابي كلامه بالتشديد على أنّ التنازلات مَطلوبة من الجميع، اليوم قبل الغدّ، لتأمين ولادة الحُكومة، قبل فوات الأوان وقبل إنهيار الهيكل على رؤوس الجميع، مُعتبرًا أنّه من المُمكن الإلتفاف على الضُغوط الدَوليّة وعلى العراقيل الخارجيّة، وفق الأسلوب اللبناني المَشهور في تدوير الزوايا، بشرط أن تكون النيّات الإنقاذيّة صافية، وخُصوصًا بشرط التخلّي عن أيّ رهانات خارجيّة لقلب المشهد الداخلي وتوازناته.