شب خلاف بين إثنين من كبار صانعي السياسة الاقتصادية الأمريكية، حول ما إذا كان يتعين الحفاظ على برامج الإقراض الطارئة المُصممة لدعم للاقتصاد، في الوقت الذي تواجه البلاد فيه خطر الانكماش المُتجدد بسبب جائحة كورونا.

وأشتد الخلاف في وقت متأخر من يوم الخميس عندما أصدر وزير الخزانة المنتهية ولايته ستيفن منوشين خطاباً إلى رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يطالب فيها بإعادة البنك المركزي للأموال التي توفرها الحكومة له حتى تتمكن الحكومة من إقراض أسواق مُعينة في أوقات الأزمة. ليعقبه بيان من الاحتياطي الفيدرالي يحث فيه الحفاظ على "الحزمة الكاملة" من الإجراءات حتى عام 2021.

انزعاج الأسواق

وقال توني فراتو، الذي عمل في وزارة الخزانة والبيت الأبيض خلال إدارة الرئيس السابق جورج بوش الأبن: "هذا خرق كبير ومزعج في وقت حرج للاقتصاد". وأضاف حول واقع واشنطن بشأن التحفيز المالي "نحتاج إلى أن تعمل كل أذرع الحكومة معاً، لكن عوضاً عن ذلك نحن نشهد تعطيلاً".لكن ردة فعل المستثمرين على الانقسام كانت سريعة، فوسط مخاوف من أن القرار سيزعج الأسواق وسيعيق الانتعاش الاقتصادي، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر "إس و بي 500 بنسبة 0.5 بالمئة في التعاملات صبيحة يوم الخلاف، وأدى الطلب على الملاذ الآمن إلى ارتفاع سندات الخزانة وانخفاض العوائد.عادةً ما ينسق كل من رؤساء الخزانة ورؤساء بنك الاحتياطي الفيدرالي عن كثب في أوقات الأزمات، ويظهرون بشكل مشترك أمام الكونجرس ويعملون بإحكام لضمان إدارة أسواق التمويل بسلاسة. ولطالما كانت الجهتان مرتبطتين بشدة في عمليات إنقاذ المالية وقطاع صناعة السيارات التي جرت منذ أكثر من عقد.

وأضاف فراتو، اتحدوا مرة أخرى في مارس 2020 في حزمة الإنقاذ الاقتصادي لقانون كيرز "مُكافحة فيروس كورونا ودعم جهود الإغاثة، وتعزيز الأمن الاقتصادي"، والتي خصصت أموالاً للحكومة لتمويل دعم الاحتياطي الفيدرالي لكل شيء بدءاً من تمويل البلديات إلى تمويل الشركات بعد أن انهيار الأسواق جراء الضربة التي تلتقها من الوباء.أما الآن يرغب ستيفن منوشين باسترداد بعض الأموال، بحجة أن الأسواق لم تعد تحت خطر ، ولذلك لا تحتاج إلى المزيد من الدعم بعد الشهر القادم. فمن وجهة نظره، هُناك تسهيلات مصرفية حاولت تسهيل ائتمان الشركات والاقتراض من البلديات بالإضافة إلى تقديم القروض للشركات الصغيرة ومُتوسطة الحجم. لكن منوشين طلب الإبقاء على أربعة برامج أخرى لمدة تسعين يوماً إضافياً.

وخلال مقابلة اجريت معه قال منوشين إن "الوضع المالي بالغ القوة" مضيفاً "إن الخبر السار هو أن الأسواق تعافت بشكل كبير". وأشار إلى ان الشركات ليست بحاجة إلى المزيد من القروض، بل هي بحاجة إلى المزيد من المنح المالية، الأمر الذي يتطلب تحركاً من الكونغرس على حد تعبيره.لكن الفدرالي كان قد جادل بأن قلة الإقبال على بعض البرامج هي علامة على نجاحها.

تقويض الثقة في المرحلة الحرجة

قال منوشين انه لم يكن يهدف من إعلانه وضع الخزانة الأمريكية في مواجهة الفيدرالي، وان الأمر كان مُجرد تنفيذ للقانون المنصوص عليه في قانون كيرز. موضحاً انه يمكن إعادة تفعيل هذه التسهيلات إذ لزم الأمر عبر دعم من الكونغرس أو عبر الأموال التي بحوزة الخزانة الأمريكية.

وقال مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في "جي بي مورغان تشيس" (JPMorgan Chase & Co.):"يبدو أنه من الممكن ان يقرأ الفيدرالي هذا التشريع بطريقة مُختلفة."إن الخطر يكمن في ان الإنقسامات بين اللاعبين الاقتصاديين الرئيسيين من شأنها ان تقوض الثقة في الوقت الذي يتراجع فيه النمو.

وقال روبرت كابلان وهو الذي يشغل منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس خلال مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ أجريت يوم الخميس، أن هناك إحتمالية لانكماش الناتج المحلي الإجمالي في هذا الربع من العام وحتى في الربع التالي.ومن المقرر أيضاً أن يستمر الاقتصاد بدون حوافز مالية، وأن تنتهي هذه الحوافز خلال الشهر المقبل بما يشمل إعانات البطالة المُمددة، فلا يزال الجمهوريون والديمقراطيون في نفق مسدود بشأن حزمة جديدة.

من جهته قال رافائيل بوستيك، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا لتلفزيون بلومبرغ: "لقد تفاجأت قليلاً من بيان وزارة الخزانة، بالنظر إلى حال الاقتصاد – وفي ظل عدم اليقين الذي لا يزال موجوداً بخصوص الكثير من الأشياء - فمن الحكمة إبقاء هذه الأشياء مفتوحة حتى يتمكن الناس من الاعتماد عليها في حال تعرضهم لضغوط."

ومن بين المُبادرات التي لن تتمكن بعد الآن من تقديم ائتمان جديد، مُبادرتان للتسهيلات المصرفية يقدمها الفدرالي سمح من خلالها لهذه التسهيلات لأول مرة شراء سندات الشركات.

ما ساعد على فك الجمود هذا السوق، حتى قبل بدء الجهود لفك هذا الجمود، ومنذ ذلك الحين استطاعت الشركات تسجيل مبالغ قياسية من إصدار الدين.وهناك برنامج آخر وهو برنامج اقراض الشارع الرئيسي، الذي شهد بداية بطيئة، ما دفع الاحتياطي الفدرالي لتخفيف شروطه بغية تشجيع البنوك والشركات الصغيرة على المُشاركة فيه.

هل الوقت مناسب لايقاف تسهيلات الإقراض؟

كان رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول قد قال خلال مؤتمر عقد يوم الثلاثاء عبر الإنترنت إن الوقت المناسب لإيقاف تسهيلات الإقراض "ليس قريباً"، مشيراً إلى انه عادةً بعد حدوث أزمة، يُبقي البنك المركزي دعائمه في مكانها لبعض الوقت. وقد أشاد مراراً بقانون كيرز الذي وصفه بأنه " دعم أساسي" وسط الانهيار التاريخي في الناتج المحلي الإجمالي الذي حصل في الربيع.

من جهتها دعت غرفة التجارة الأمريكية في بيان لها لإعادة النظر في قرار وزير الخزانة الأمريكية منوشين: "نحن نحث بشدة على تمديد هذه البرامج في المستقبل المنظور، وندعو الكونغرس لتمرير محفزات إضافية بسبب الوباء، تستهدف تلك الشركات والعمال والصناعات الأمريكية التي لا تزال تعاني."قال بن إيمونز، العضو المنتدب للاستراتيجية الكلية العالمية في "ميلدي غلوبال أدفايسورز، إن الاقتراب من انتهاء التسهيلات المصرفية من شأنه يبني التوقعات التي تنتظر من الاحتياطي الفيدرالي اتخاذ بعض الإجراءات السياسية الأخرى عندما يختتم اجتماعه المقبل في 16 ديسمبر.

وكان إيمونز قد كتب في مذكرة: "سيُخمن السوق الآن بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى زيادة مشتريات الخزانة و/ أو تمديد آجال استحقاق السندات المالية التي يشتريها من خلال برنامج شراء الأصول الرئيسي.

وقد تسعى إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن عندما يتولى السلطة في يناير من العام القادم إلى تجديد التسهيلات المصرفية، أو الضغط على الكونغرس للسماح بتمويل جديد لها. حيث كان بايدن قد قال يوم الخميس انه اتخذ قراراً بشأن مُرشحه لتولي وزارة الخزانة.

من جهتهم قال الجمهوريون في الكونجرس إن مليارات الدولارات التي يتم تحوليها إلى البنك المركزي يمكن ان تستخدم بشكل أفضل في أماكن أخرى.

وفي مُذكر له كتب مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في "جي بي مورغان تشيس" (JPMorgan Chase & Co.):" يمكن لوزارة الخزانة في عهد بايدن إعادة تفعيل التسهيلات المصرفية، كما أشار منوشين، عبر استخدام صندوق استقرار الصرف، لكن حتى ذلك الحين قد تحتاج الأسواق إلى تعامل مع واقع عدم وجود حائط صد لعدة أسابيع.ويضيف فيرولي في هذه المُذكرة "خلال حوالي ثلاثة أسابيع من شهر يناير ستعمل الأسواق بدون الدعم الذي كان بحوزتها منذ الربيع."