لم تكن راغدة أنطون سعاده مجرد اسمٍ عابر في سجل الحياة، بل كانت روحًا مثقلة بالوجع، تمشي بصمتٍ يشبه صلاة طويلة لا يسمعها أحد. رحلت كما عاشت في سنواتها الأخيرة بهدوء، دون ضجيج، ودون أن تطلب من العالم شيئا سوى أن يخفف عنها قليلا من القسوة.
عانت من مرضٍ قاسٍ، انسداد الرئة، ذلك العدو الخفي الذي لا يكتفي بسرقة الأنفاس، بل يسرق معها القدرة على الفرح، على الكلام، على المشاركة، وعلى الشعور بأن الحياة ما زالت تستحق العناء. كانت كل شهيق معركة، وكل زفير تذكيرًا بأن الجسد قد يخذل صاحبه في أكثر اللحظات حاجةً للقوة. ومع ذلك، حملت أوجاعها بكرامة نادرة، ولم تجعل من ألمها وسيلة للشكوى أو الاستجداء.
لكن المرض لم يكن وحده ما أثقل كاهلها. فالأقسى من وجع الجسد كان وجع الخذلان. خذلان الحزب الذي أسّسه والدها، والذي كان يفترض أن يكون متدادًا لروحه، ومساحة أمان معنويّ لها. غير أنّ الواقع جاء مختلفا، باردا، قاسيا، تاركًا راغدة وحيدة في مواجهة المرض والعزلة. هذا الخذلان لم يكن سياسيا فحسب، بل إنسانيا قبل كل شيء، وقد ترك ندوبه العميقة في قلبها وحياتها.
انعكس ذلك كله على حياتها الاجتماعية، فانكفأت بهدوء، وابتعدت عن الأضواء، وعن المناسبات، وعن الناس. لم تكن انعزالية بطبعها، بل متعبة. كانت تبحث عن سلامٍ داخلي لم يمنحه لها الخارج. اختارت الصمت لأن الكلام صار عبئًا، واختارت الوحدة لأن الرفقة لم تعد تشبه الأمان. وهكذا، عاشت على ضفاف الحياة الاجتماعية، تراقب من بعيد، بقلبٍ مثقل بالحنين وخيبة الأمل.
راغدة لم تطلب يوماً امتيازا، ولم تتكئ على اسم والدها لتصنع لنفسها مجدًا زائفًا. كانت تريد فقط إعترافاً إنسانياً، دفئًا بسيطا، وشعوراً بأنها لم تُنس. لكن يبدو أن بعض الأرواح خُلقت لتدفع ثمن نقائها مضاعفا.
رحلت راغدة، الملاك الذي غادرنا دون إستئذان، تاركة خلفها سؤالا موجعًا، كم من الأرواح تموت ببطء قبل أن تموت فعليا، لأن المرض والخذلان اجتمعا عليها؟ لروحها السلام، ولوجعها الرحمة، ولذكراها وعد بأن تروى قصتها لا كحكاية حزن فقط، بل كشهادة على إنسانيةٍ لم تُنصف.
يتم قراءة الآن
-
مُؤتمر دعم الجيش غير مربوط بالمرحلة الثانية... واستنفار لبناني لإنجاحه وسطاء يدخلون على الخط لتحسين العلاقة بين عون وحزب الله قاسم: تنفيذ اتفاق وقف النار مرحلة واحدة... وحصريّة السلاح شأن لبناني بحت
-
ترامب يتراجع خطوة إلى الخلف... ودول الخليج والإقليم انفرجوا احتدام الكباش بين حزب الله و«القوات» تعثر «الميكانيزم» لا ينعكس على الأرض جنوبا
-
دمشق تطوي ملف إحصاء 1962: تسوية أوضاع أكراد سوريا
-
حزب الله ينفي تحريف موقفه: الكلام المتداول مجتزأ
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:40
"رويترز": الأوروبيون اتفقوا على الحوار أولاً بشأن التعرفات الجمركية الجديدة مع احتمال اتخاذ إجراءات انتقامية بدءاً من 1 شباط
-
22:55
"سانا": الرئيس أحمد الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون أكّدا ضرورة تسريع مسيرة إعادة إعمار سوريا وتهيئة الظروف لإقامة مشاريع تنموية
-
22:45
عبدي: فُرضت الحرب علينا رغم أننا أردنا وقف الهجمات، لكن عدة جهات كانت قد خططت لهذه الهجمات
-
22:44
عبدي: قبلنا الاتفاق مع دمشق لحقن الدماء و سنحمي مناطقنا
-
22:43
قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي: سأذهب إلى دمشق غدا لإتمام الاتفاق
-
22:43
عبدي: سحبنا قواتنا من دير الزور والرقة إلى الحسكة
