مَن الأكثر كفاءةً ينال الوظيفة... هذا هو المسار البديهي للتوظيف ولكن في لبنان ثمّة مَن لا يزال يعتبر أنّ دور المرأة يبدأ وينتهي في البيت. وإذا خرجت إلى سوق العمل وتحدّت «العادات والتقاليد»، فثمّة من يحترم قدراتها وثمّة من يفرّق بين الجنسين. وإذا تحدّت ربّ العمل الذّي أساء بحقّها، فالقانون غائب عن السمع. فما هي التحديات التّي تواجهها المرأة في سوق العمل؟ وبعدما عبّر وزير الداخليّة في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي عن آرائه بإستلام المرأة منصب رئيسة وزراء، كيف كانت ردّة فعل «المجتمع الإلكتروني» على مواقع التواصل الإجتماعي؟

«إرتفعت نسبة بطالة النساء بحلول أيلول هذا العام من 14.3% إلى 26%. وتُرجمة هذه النسبة بإرتفاع عدد النساء العاطلات عن العمل من 81,200 إلى 132,500»، وفقاً لتوّقعات دراسة أعدّتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

تؤكد الباحثة في قضايا التنوع الإجتماعي د.كارولين سكر صليبي أنّ «بعض النساء تنخرطن بسوق العمل في القطاعات غير النظاميّة أو غير المحميّة، مما يعرضهنّ للإستغلال من قبل أرباب العمل والإستغناء عن خدماتهن بسهولة. علماً أنّ هذه القطاعات لا تخضع لعقد العمل، ولا للضمان الإجتماعي». لذا تطال البطالة النساء بشكل أكبر من الرجال.

حقٌّ مطلق بوجه تحديات عدّة

تشير الصحافيّة والناشطة النسوية حياة مرشاد إلى أنّ «وجود المرأة في سوق العمل هو حقّ مُطلق لها كما أنّ من حقّها التمتع بالإستقلاليّة الماديّة. فالعنف مرتبط بغياب هذا العامل، إذ أنّها تضطر أن تخضع لظروف سيّئة في ظلّ عدم قدرتها على تغطية نفقات البيت والأولاد مثلاً».

وتابعت مرشاد مؤكدةً أنّ «النساء تتمتعن بكفاءات في مجالات عدّة مثل الرجل لإستثمارها في مجال العمل، ولكن ثمّة عوامل عدّة تمنعهّن من تطبيق ذلك. على سبيل المثال، أحياناً لا تكون بيئة العمل لصالح المرأة إذ أنّها ربمّا تواجه التحرش في العمل أو التمييز بالأجر بين الجنسين، أو حتّى الصرف التعسفي بمجرد أنّها حامل». وتشير مرشاد إلى أنّ المرأة تتحمل الأعباء المزدوجة أي أعباء البيت والأسرة بمفردها. ففي بعض الأحيان تضطر أن تضحي بمسيرتها المهنيّة لكي تكرّس وقتها لبيتها وأولادها، فيما الرجل يتطوّر في عمله.

ومن جهتها، أكدّت د.صليبي «أنّ النمو الإقتصادي يجب أن يكون غنياً بالرجال والنساء. حتّى أنّ العمل المنزلي يجب أن يُحتسب على أنّه عملاً أو على الأقل يجب أن يكون له قيمة معنوية. بما أنّ وفقاً للإتفاقيات الدولية يجب الإعتراف بالعمل المنزلي غير مدفوع الأجر وتقديره من خلال توفير الخدمات العامة ووضع سياسات الحماية الإجتماعيّة وتعزيز تقاسم المسؤوليّة داخل الأسرة».

أوراق رابحة محتملة ؟

تشير مرشاد إلى أنّ «يمكن تعزيز دور المرأة في سوق العمل من خلال إعتماد سياسات تضمن ظروف عمل لائقة لها. وذلك من خلال إصدار قوانين لحمايتها من التحرش، قوانين تفرض على ربّ العمل عدم إختلاف الأجر بين الجنسين بالوظيفة عينها. كما يجب تحمّل الرجل للأعباء المنزليّة مع المرأة». وختمت مرشاد مشيرةً إلى أهميّة العمل على تطوير الثقافة لمكافحة كل التحديات التّي تواجهها المرأة. «فإذا إنحرمت المرأة من حقّ الإستثمار بكفاءتها، فنحرم الوطن والإقتصاد من إنتاج أكثر من نصف المجتمع وإبداعاته».

رُوّاد مواقع التواصل الإجتماعي...بالمرصاد!

نال الوزير محمد فهمي موجة إنتقادات على مواقع التواصل الإجتماعي بعد تصريح له، عبر برنامج تلفزيوني، عن إمكانية تسلّم المرأة منصب رئيسة وزراء. فعمد بعض الرّواد على نشر الفيديو على حساباتهم الخاصة والتعليق بشكل سلبي على هذا «التفكير الرجعي» كما وصفوه. بالنسبة للبعض تعليق واحد كان كاف، أمّا للبعض الآخر فنشروا فيديوهات إنتقاديّة وهم يشيرون إلى أمثلة لنساء لامعات في مجالهنّ وخصوصاً في المجال السياسي في بلدان الخارج.

«جرّبنا كتير رجال ويحوي فرط البلد»، بهذه الجملة عبّر مغني «الراب» جو شمعون عن رأيه رداً على تصريح الوزير. هذه الجملة أتت في سياق أغنية أطلقها شمعون على صفحته معتبراً أنّ «إذا فكرنا بطريقة ذكورية، فمعظم الرجال يتّكلون على المرأة لإدارة البيت وتربية الأولاد. لم ولن أتبنى هذا التفكير ولكن إذا كان يتّكل الرجل على المرأة بكلّ هذه المسؤوليات، فما الذّي يمنعه الإتّكال عليها في إدارة شؤون البلد؟»

فيما أعداد النساء تتراجع في مجال العمل يبقى من حقّ كل إمرأة الإنخراط به وإستلام مناصب وفقاً لكفاءتها. وإذا كان المعنيون عاجزين عن إقرار قوانين لحمايتها، فعلى الرجل تحمّل الأعباء المزدوجة معها ليكون جزءاً من الحلّ. دورها يبدأ في البيت وينتهي حيثُ طموحها يقودها. يثبّت رُوّاد مواقع التواصل الإجتماعي أكثر فأكثر مدى تطور المجتمع وإنفتاحه على مواضع «حسّاسة»، فهل سيكون وسيلة ضغط جديدة وورقة رابحة تدافع عن حقوق المرأة؟