لا حكومة قبل نهاية العهد. هذا ما تنطق به الجدران (العليا). لعلها الأكثر صدقاً ، والأكثر صدقية، من كل ما يتفوه به أهل السلطة، وقد غسلوا أيديهم، وأرجلهم، من المصائب التي تحدق بنا من كل حدب وصوب.

ماذا يعني قرار مجلس النواب، الموغل في الالتباس، وفي الضبابية، سوى ابقائنا ندور في ثقافة الدهاليز. هكذا يستغرق التدقيق الجنائي في مغارة علي بابا أكثر من مائة عام.

في نهاية المطاف، المسؤول هو «راجح»، الشخصية الرحبانية الشهيرة في «بياع الخواتم». حتى الذين احترفوا اللصوصية في وضح النهار يدعون، عبر الشاشات، الى الاقتصاص من أهل الفساد. في هذه الحال، من يكفكف دموع ابي ذر الغفاري؟

الى أن ينتهي العهد، أو الى أن تنتهي الدولة، وماذا تبقى من العهد ومن الدولة؟ هذا هو رهان المؤسسة اليهودية من أيام تيودور هرتزل، وزئيف جابوتنسكي. لبنان خطأ تاريخي، كما قال آرييل شارون أم، كما قال هنري كيسنجر، فائض جغرافي يمكن استعماله في حل الحلقة الأخيرة مما كان يدعى، في العصر الحجري، الصراع العربي ـ «الاسرائيلي»؟

الانفصال في ذروته بين السلطة والرعايا. لكأننا، في مسار تشكيل (أو لاتشكيل) الحكومة، أمام لعبة الاشباح في احدى الليالي الشكسبيرية، أو أمام آخر مسرحيات صمويل بيكيت، حيث اللامعقول اللبناني بكل تجلياته، لنظهر، أخيراً، كمية من البشر ألقيت على عجل على... مفترق طرق!

وزير خارجيتنا شربل وهبة يرى أن الرهان على تحول دراماتيكي في السياسات الأميركية رهان عبثي. نحن في كل فصول السيناريو جزء من الصفقة الشاملة(Package deal ) مثلما لم يكن نجوم الأزمة عندنا يدرون أين تتدحرج رؤوسهم في زمن دونالد ترامب، لا يدرون أين تتدحرج رؤوسهم في زمن جو بايدن.

ما علينا، في هذه الحال، الا أن ننتظر ما يخطط له أصحاب الاستراتيجيات الكبرى. «صفقة القرن» لم تسقط. أبواب الجمهورية لا تزال مشرعة على الجحيم!

الرئيس المنتخب كسر قدمه وهو يلاعب كلبه. لا ندري ماذا سينكسر اذا ما لاعب الشرق الأوسط. جو بايدن سيجد نفسه أمام وقائع مستحيلة، وأمام تضاريس مستحيلة. كيف يمكن له أن يعود الى اتفاق فيينا، وكيف له أن يحد من الهيستيريا الجيوسياسية، والهيستيريا القبلية، في المنطقة؟ بدل المنظومات السياسية، أو المنظومات الاقتصادية، كما في أرجاء الدنيا، أوديسه الدم على امتداد تلك الخرافة التي تدعى... العالم العربي.

لماذا لا تقال الحقيقة؟ نحن الوحيدون الذين ما زلنا نتمسك، بأسناننا، بالصراع العربي ـ «الاسرائيلي». دنيس روس يصفنا بـ«الراكب الوحيد، والأخير، في ذلك القطار الذي يعمل بالفحم الحجري». الآخرون، في رأيه دخلوا لعبة القرن على قرع الطبول...

لهذا بالذات، يفترض أن تمضي الدولة في لبنان، وبخطى حثيثة، نحوالانحلال السياسي، والانحلال الدستوري، والانحلال الاقتصادي، والانحلال المالي، والانحلال السوسيولوجي. هذا ما تفعله اللوياجيرغا اللبنانية التي تجر البلاد الى ما هو أسوأ، واسوأ، وأسوأ، من صفقة القرن.

في العواصم الأوروبية الكبرى كلام يشي بأن الدولة اللبنانية قد زالت فعلاً. الفرنسيون قالوا لنا، ان ثمة سيناريو يتم تنفيذه لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، والنازحين السوريين. اعادة تركيب لبنان ديموغرافياً، ودستورياً، بأيدي مهندسي الشرق الأوسط الجديد.

القارب المثقوب أم الزمن المثقوب؟ رسائل أميركية، وعربية، الى أولياء الأمر. اما أن تمدوا أيديكم الى بنيامين نتنياهو، أو تحزموا حقائبكم وتتبعثروا على أرصفة الأمم. لقد اصبحنا، أيها السادة، على أرصفة الأمم.

لا تعيروا اهتماماً لما يقوله ببغاءات الشاشات. ضعوا آذانكم على الجدران العالية، واصغوا الى ما يقوله أهل الحل والربط!