لم تصدر حتى الامس اية اشارة حول قرب موعد ولادة الحكومة في الوقت الذي بات لبنان على عتبة غرفة العناية الفائقة نتيجة حالة الانهيار التي اخذت تتمدد في كل مرافقه منذرة بمزيد من الاخطار المحدقة باللبنانيين.

وفيما يكاد العالم كله يستعجل تأليف الحكومة اللبنانية بقي المسؤولون والقابضون على الامور يمارسون لعبة الكباش وعضّ الاصابع مستهلكين المزيد من الوقت بعد مرور اكثر من اربعين يوما على تكليف الرئيس سعد الحريري.

وفي ظل هذا المشهد القاتم تبرز مرة اخرى المبادرة الفرنسية المستمرة والتي تجسدت امس بانعقاد المؤتمر الثاني لدعم بيروت والشعب اللبناني عبر الفيديو برئاسة الرئيس ايمانويل ماكرون والامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس وبمشاركة 38 دولة وهيئة مانحة في اطار متابعة واستكمال ما جرى في المؤتمر الاول لتقديم المزيد من المساعدات والاختياجات الضرورية التي يمكن وصفها بالاغاثية خصوصا بعد كارثة انفجار المرفأ، والني بطبيعة الحال لا تعالج الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي، باعتبار ان هذا الامر لن يكون في غياب الحكومة الجديدة والاصلاحات.

وورغم عزمها على السير بمبادرتها تجاه لبنان، فإن الرئاسة الفرنسية لم تخف خيبتها من فشل وعدم تحمل المسؤولين في لبنان لمسؤولياتهم وتنفيذ ما كان طلب منهم منذ اربعة اشهر.

 مؤتمر باريس 

وخلال المؤتمر الافتراضي الذي عقد مساء امس أعلن الرئيس ايمانويل ماكرون عن تأسيس صندوق لدعم لبنان، مركزا على دعم القطاع الصحي والقطاع التعليمي واعادة اعمار المرفأ والمناطق التي تهدمت وتضررت من انفجار 4 آب، وكذلك الشركات الصغرى والكبرى.

واذ اشار الى تقديم هذه المساعدات مباشرة وعبر الجمعيات الاهلية والمدنية واكد الاستمرار في مثل هذه المساعدات، مشيرا الى انها لا تحل محل المسؤوليات الملقاة على عاتق الدول لاعادة احياء لبنان. ولا يحل محل التزام المسؤولين اللبنانيين من اجل تشكيل حكومة بأسرع وقت وتنفيذ خارطة الطريق التي لا يمكن اجراء الاصلاحات من دونها.

واشار الى انه ينوي زيارة لبنان في الشهر الجاري،

وفي كلمته للمؤتمرين، اكد الرئيس عون ان المساعدة الدولية اساسية مهما كانت طرقها او آلياتها او ادواتها. وقال «ان التدقيق الجنائي سيدل على كل المسؤولين عن انهيار نظامنا الاقتصادي وسيفتح الطريق الى الاصلاحات الضرورية لاعادة بناء الدولة».

واضاف «انني مصمم على متابعة مسيرة التدقيق المالي الجنائي حتى النهاية».

وطالب المجتمع الدولي بحسم قضية عودة النازحين السوريين الى بلادهم. واكد على تحرير الدولة من منظومة الفساد السياسي والاقتصادي والاداري.

وقال ان اولويتنا تشكيل حكومة عبر اعتماد معايير واحدة تطبق على كل القوى السياسية.

 الوضع الحكومي

وفي المعلومات المتوافرة لـ «الديار»، ان الرئيس الحريري احاط نفسه في الايام الاخيرة بدائرة من الكتمان حول ما سيقوم به بشأن الحكومة بعد ان وضعت اوساطه مطلع الاسبوع في اجواء انه بصدد الصعود الى بعبدا لتقديم مسوّدة تشكيلة حكومية من 18 وزيرا الى رئيس الجمهورية في اطار الالية المعتمدة.

وقال احد اعضاء كتلة المستقبل للديار امس «ليس لدينا معلومات جديدة اضافية عن المعلومات السابقة حول اجواء نية الرئيس الحريري زيارة بعبدا لتقديم تشيكيلة الحكومة. كنا في هذه الاجواء منذ ايام ولم نعلم بعد بأي جديد».

وعن اسباب تأخر الخطوة اجاب : ليس لدينا اي معلومات اضافية، لكن ربما كان التأخير مرتبطاً بالرغبة في انتظار مؤتمر باريس».

واضاف : ما يمكن تأكيده هو ان دولة الرئيس الحريري ينظر الى الوضع بكل عناية واهتمام، ويرى انه خطر ولم يعد يحتمل الانتظار . ولذلك يريد ويسعى للخروج من هذه الحالة وتأليف الحكومة باسرع وقت».

وفي بعبدا التي انصرفت في الثماني والاربعين ساعة الماضية الى الانشغال بأجواء مؤتمر باريس، اكتفت مصادرها بالقول لقد قرأنا ونقرأ ونسمع اخبارا عن مثل هذا الموضوع وعن تشكيلة واسماء، لكن ليس لدينا اي شيء حتى الآن».

في هذا الوقت، نقلت مصادر نيابية عن الرئيس بري تعبيره عن استيائه من مراوحة الموضوع الحكومي، وتأكيده مرة اخرى ان البلد لا يحتمل المزيد من الانتظار، فالمطلوب حكومة اليوم قبل الغد.

وقالت المصادر ان الاسباب التي حالت وتحول دون ولادة الحكومة هي داخلية اكثر مما هي خارجية ، ولا يجوز الاستمرار على هذا المنوال.

ولفت امس موقف حزب الله على لسان نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم الذي قال «ان العناوين التي تساعد على تشكيل الحكومة وتخرجها الى النور اصبحت معروفة ، وان المراهنة على الوقت للضغط وتعديل المواقف لن تجدي نفعا»، لافتا الى ان «ما سنصل اليه لولادة الحكومة في المستقبل هو نفسه الذي يمكن انجازه اليوم. ولا يمكن الاعتماد على الموقف الاميركي لتسهيل او لتحسين الشروط».

اضاف «المؤشرات تدل على ان البلد يتجه الى الهاوية اذا لم يتم التدارك بتشكيل الحكومة في اسرع وقت، وكل يوم يمر هو خسارة للبنان. الافضل ان يتم الحوار المباشر وتدوير الزوايا لاستعادة ثقة القوى السياسية ببعضها بعضاً، فاذا اتفق المعنيون على اي حكومة سيتعامل العالم معها، وكذلك اميركا».

وفي هذا السياق قال مصدر بارز في 8 آذار للديار ردا على سؤال حول العقوبات والضغوط المالية الاميركية والموضوع الحكومي : «نعم هناك ضغوط اميركية مالية واقتصادية متزايدة على لبنان وليس فقط على حزب الله، لكن بالنسبة لموضوع الحكومة فإن المعلومات والاجواء المتوافرة تؤشر الى ان واشنطن لا تعارض تشكيل الحكومة ولم يتغير موقفها رغم بعض التصريحات والتهويل . فهي ستتعامل مع الحكومة الجديدة مثلما تعاملت مع سابقتها، وستقاطع ولن تتعامل مع الوزير الذي سيكون محسوبا على حزب الله، لا اكثر ولا اقل».

وفي المحصلة، اكدت مصادر مطلعة للديار مساء امس ان الحريري تريث في الصعود الى بعبدا بتشكيلة كاملة دون ضمان معرفة رأي الرئيس عون بها، لانه لا يريد تفجير مشكلة بهذا الشأن ولا يريد في الوقت نفسه ان يعتذر عن التكليف.

واكدت ان هناك حركة اتصالات بعيدة عن الاضواء تجري في هذا الاطار ليؤخذ على الشيء مقتضاه.

 ازمة الدعم والاحتياطي 

على صعيد آخر، عكست الاجواء المحمومة لجلسة اللجان المشتركة التي ناقشت امس موضوع الدعم والاحتياطي في مصرف لبنان عمق وخطورة الازمة الاجتماعية الناجمة عن تدهور الوضعين الاقتصادي والمالي. ودارت نقاشات حامية في حضور حشد كثيف من النواب حول سبل معالجة الوضع والتعاطي مع مسألة الدعم. وانتقد عدد منهم عدم حضور حاكم مصرف لبنان شخصيا الجلسة وانتدابه نائبه الثاني الذي تلا بيانا مكتوبا وصف بأنه لا يحمل اي جديد عما هو معلن في وسائل الاعلام.

وأجمع النواب على وجوب ان تقدم الحكومة المقترحات والمعطيات الواضعة حول كل هذا الموضوع لمناقشته في جلسة لاحقة، رافضين ان ترمى الكرة في ملعب المجلس، خصوصا ان المجلس ليس الجهة التنفيذية في مثل هذا الموضوع.

وتقاطعت الآراء عند الاتجاه لترشيد الدعم وتخفيف الاعباء على الخزينة والاحتياطي في البنك المركزي، مع الاخذ بعين الاعتبار الحاجات والمواد الضرورية التي بحاجة لاستمرار الدعم، مثل الدواء والطحين ونسبة من المحروقات وتخفيض عدد المواد الغذائية الواجب استمرار دعمها، بالاضافة الى دعم الفئات الفقيرة والمحدودة الدخل.

وفي النقاشات، تبين ان حجم اموال الدعم وفق ما يجري حاليا يبلغ سنويا اكثر من سبعة مليارات دولار، وان نسبة كبيرة تعود الى جيوب التجار والشركات والمهربين في ظل غياب الضوابط المطلوبة. ويتوقع اذا ما جرى تخفيض وترشيد الدعم ان تصبح الفاتورة السنوية حوالى ملياري دولار اميركي.

ورفض معظم النواب ايضا وضع الناس بين احتمالين : رفع الدعم وأموال المودعين في المصارف.

وأكدوا ان اموال المودعين في البنوك تبلغ 114 مليار دولار، وليست هي اموال الاحتياطي الالزامي في مصرف لبنان.

ويذكر ان حاكم مصرف لبنان كان صرح اول من امس ان هناك مهلة لا تزيد على الشهرين لاستمرار الدعم كما هو الحال ، لذلك ينتظر ان تقدم الحكومة بعد جلسة اللجان وما جرى فيها امس على خطوة ما قريبا بعد ان اعاد المجلس النيابي الكرة الى مرماها.