في كلمته بافتتاح مؤتمر دعم لبنان، اعاد الرئىس الفرنسي مانويل ماكرون، تحميل القوى السياسية في لبنان، لا سيما تلك التي التقاها في قصر الصنوبر قبل شهرين، مسؤولية التأخير في تشكيل الحكومة، بعد مضي اربعة اشهر على استقالة الحكومة الحالية برئاسة الدكتور حسان دياب التي تقوم بتصريف الاعمال، بالحدود التي يسمح فيها الدستور، والتي يطالبها من ساهم في استقالتها، بتفعيل عملها، مع التباطؤ في ولادة الحكومة البديلة، اذ ثمة ندم عند من ساهم في دفع الحكومة الى الاستقالة بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي باسبوع، بعد ان تعثر البديل وهو سعد الحريري، الذي طرح نفسه لرئاسة الحكومة بعد ان حصل على ضوء اخضر من الرئىس نبيه بري، الذي كان له الدور الاساسي، في دفع دياب الى الاستقالة، وتبين انها مرتبطة بموضوع التدقيق المالي الجنائي، الذي اصرّ عليه مع رئيس الجمهورية، وتم تفخيخه في القانون الذي اشار بان لا يكون التدقيق متعارضاً مع قانون النقد والتسليف والسرية المصرفية.

فلم يكن الذين خططوا وسعوا الى استقالة الحكومة الحالية، بان اخرى ستولد بسهولة، اذ مر اكثر من شهر على تكليف الرئىس الحريري، ولم يتمكن من تشكيل الحكومة، التي اراد لها مواصفات، قد تتطابق مع المبادرة الفرنسية، ولكنها لا تنطبق مع النظام السياسي الطائفي، اذ ما طرحه الحريري عن حكومة من اشخاص غير حزبيين واصحاب اختصاص، لم تلق التجاوب من القوى السياسية، التي استرضى نصفها ولبى شروطها، وهي حركة «امل» و«حزب الله» والحزب التقدمي الاشتراكي، ولن يخذل «تيار المردة» وحزب الطاشناق والحزب السوري القومي الاجتماعي اذا اشركوه في الحكومة، اذ تؤكد المعلومات السيسية، لمتابعي تشكيل الحكومة، ان جداراً اقيم في القصر الجمهوري، لن يستطيع الرئىس المكلف عبوره، الا من بوابة به، وهي «التيار الوطني الحر» الذي لن يسهل تشكيل حكومة، لا تتكون على معيار واحد، وهو رأي يوافقه عليه رئىس الجمهورية العماد ميشال عون، مؤسس التيار ولن يوقع على مراسيم تشكيل الحكومة، لا يأخذ رئىسها بالواقع السياسي والطائفي، وينكسر «التيار الوطني الحر» صاحب شعار استعادة «حقوق المسيحيين» وعهد الرئىس المسيحي القوي الذي ابلغ الحريري، بأن يأتيه بحكومة متوازنة، وبأشخاص فعلياً هم من المستقلين والاختصاصيين، وتطبيق ذلك على الجميع، فلا يكون شتاء وصيف على سطح واحد، وقد كبّل الحريري نفسه بشروط هو وضعها ولم يلتزم بها امام اطراف سياسية، ويريد تطبيقها على اخرى، فخسر معركة التأليف، لانه لا يمكن ان يكون أحادياً، بل ثنائىاً مع شريكه رئىس الجمهورية، وجماعياً بالتشاور مع الكتل النيابية، لان السلطة الاجرائية باتت منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً.

من هنا، فان من يؤخر تشكيل الحكومة هو الحريري نفسه، الذي ظنّ انه بتلطيه بالمبادرة الفرنسية يستطيع فرض حكومته هو، تحت شعار انها لن تضم حزبيين، ومن التكنوقراط، وهذا الشرط لم يستطع السفير مصطفى اديب الحصول عليه بعد تكليفه تشكيل الحكومة بأسبوعين، ولم ينجح الرئىس حسان دياب، في ان يطبقه في حكومته، ولن يكون بمقدور الحريري الوصول الى حكومة لا شريك له فيها، الا من نال رضاهم وارضاهم من قوى سياسية لبّى شروطها.

فأزمة تشكيل الحكومة ستطول، وان كان لها اسبابها الداخلية البارزة، والتي ظهرت بشكل مباشر، عند رفض الحريري العودة الى اي تسوية مع الوزير جبران باسيل، التي سبق له ورفع مقولة، «انا وسعد الحريري في الحكومة، او انا واياه خارجها»، وعندما يقدم الحريري الجواب لباسيل، سلباً او ايجاباً، يُعرف متى تولد الحكومة، مع الاخذ بالشروط والضغوط الخارجية، لا سيما الاميركية بمنع وجود او مشاركة «حزب الله» في الحكومة مباشرة او غير مباشرة، وهذا ما يؤخر ايضاً تشكيل الحكومة، التي ارتبطت بما يرسم للمنطقة مع قدوم ادارة اميركية جديدة مع الحزب الديموقراطي، الذي قرر منذ عهد الرئىس باراك اوباما، الانسحاب من منطقة الشرق الاوسط، ولبنان من ضمنها، والتوجه نحو الشرق الاقصى، لمحاصرة العين ومنع تمددها.