فاليري جيسكار ـ ديستان، رئيس الجمهورية الفرنسية السابق، مات. هذا وقت مثالي لأستعيد، مرة أخرى، ما قاله لي، في حديث معه، حين كان رئيساً للجنة الدستور في الاتحاد الأوروبي.

هو من كان شارل ديغول يصغي الى أرقامه، عندما كان وزيراً للمالية، كما لو أنه يصغي الى قصائد بول فاليري، أو الى قصائد لوي أراغون، ربما الى الشطحات الفلسفية المثيرة عند فيكتور هوغو.

قال «بالرغم من كل الضجيج الايديولوجي، والضجيج الاستراتيجي، حولكم، ما زلتم تصرون، وبسبب رؤية ملتبسة لله وللتاريخ، على عدم الانتقال من ثقافة القبيلة الى ثقافة الدولة».

وقال «لا دول لديكم في غياب الضمير السياسي، ولا مجتمعات لديكم في غياب الضمير الاجتماعي. هكذا أنتم ذاهبون، بخطى حثيثة، الى الخراب العام. غريب ألاّ تدركوا ما ينتظركم».

لم يغفل الاشارة الى الدور الأميركي في «تكديس الأزمنة العربية، والأجيال العربية، في الأقبية»، ليضيف «ما من حكومات أخرى في العالم تذوب، هكذا، في الحالة الأميركية. عليكم أن تعلموا أنه منذ أن وضع جون فوستر دالاس (وزير الخارجية في عهد دوايت ايزنهاور) قدميه في المنطقة، وعقارب الساعة تعود الى الوراء. وأخشى أن أقول لكم بعد سنوات ستفاجأون بهذه اللافتة : اهلاً بكم في العصر الحجري»!

جيسكار ـ ديستان الذي أثار ذهولنا، كلبنانيين، بثقافته الفذة خلال مناظرة نقلتها القناة التاسعة في تلفزيون لبنان مع مدير مجلة «الاكسبرس» الفرنسية المحنك جان ـ جاك سرفان ـ شرايبر (صاحب «التحدي الأميركي» و«التحدي الدولي»)، رد على سؤال حول لبنان «لعلكم ضحايا تلك الأمواج المتلاطمة».

لم يكن رجل دولة فحسب. كان صاحب رؤية فلسفية، ورؤية استراتيجية، للدولة ولمنطق الدولة. لكأنه كان يرى بعيني زرقاء اليمامة. أين هي الدول العربية الآن، واين هو لبنان؟

ظناً منهم أننا نوع هجين من القردة، على مدى عقود ضحك علينا ساستنا، ومثقفونا، وهم يحدثوننا عن العبقرية اللبنانية. العبقرية العرجاء بالدمج بين القبلية والطائفية. آفتان أنتجتا ذلك الفساد (الوباء) العظيم.

الرأي العام العالمي يستغرب كيف أن النماذج التي تحكمنا فقدت أي حس بالمسؤولية عن موت دولة. في الاليزيه يقولون، وهذا ما نقله معلقون من باريس، لو كانت هذه الضربات على رأس ابي الهول لتنبه الى ما ينتظره عند خط النهاية. كل تلك الضربات على رؤوس الساسة في لبنان، وهم يدورون في حلقة مقفلة. هؤلاء يعتبرون أنه اذا ما فتحت ملفاتهم تفتح قبورهم!

هل تتوقعون أن يوضع قائد جيش سابق وراء القضبان بتهمة الاثراء غير المشروع، وحيث الصندوق الأسود الذي بحوزته يحتوي على أسماء وزراء، وحتى رؤساء جمهورية، متورطين في الفضيحة؟

من سجن رومية، لا من ساحة النجمة ولا من أي مكان آخر، يدخل الاصلاح. هذا اذا لم يتم تطييف الملف، كما لو أن صناعة الفساد، وصناعة الخراب، ترتبط بطائفة معينة، أو بفئة معينة. وكما لو أنها ليست «السوبركورونا» التي تمنع الهواء النظيف عن الدولة، ودون أن يرف جفن لأنصاف الآلهة.

لماذا كل ذلك الخوف من العقوبات الأميركية؟ لا ننفي الأسلوب البهلواني لدونالد ترامب في تسييس العقوبات، ولا نتجاهل ما هي أميركا، والى أين يمكن أن تصل أسنانها، ولكن ماذا يمكن أن تفعل مع اصحاب الكف النظيفة حين يقفون الند للند في وجه الأمبراطور؟

لا ننظر الى البنك الدولي ولا الى صندوق النقد الدولي على أنهما يحملان الخلاص، كل الخلاص، لكن التراجيديا ينبغي أن تتوقف عند الخطوة الأخيرة قبل الهاوية.

بالفم الملآن نعترف، كشعوب لبنانية، أننا لم نستطع، ولن نستطيع، أن نصنع البديل. ابقوا على ظهورنا الى الأبد، ولكن لا تجعلونا وقوداً للجحيم...