«مقابل كل نزلة في طلعة»، هكذا تعوّد اللبناني أن يتأمل بغدٍ أفضل في صدد أزمات تبدأ ولا تنتهي. إذ جسّدت الأزمة الإقتصاديّة قلقاً لدى المواطن، كون لم يمض يوم من دون أن يلاحظ إرتفاع جديد بالأسعار. ومن القلق «الإقتصادي» إلى القلق «الأمني»، بسبب التطورات السياسيّة التّي لم تترك سيناريو إيجابياً بشأن الوضع الأمني. ومن جهة أخرى التعبئة العامة التّي تتأرجح بين الإقفال وإعادة الحياة تدريجياً مع خوف المواطن من التقاطه العدوى. فأين صحة المواطن النفسيّة من بين كل هذه الأزمات؟

تؤكد المعالجة والمحللة النفسية د.ماري-آنج نهرا أنّ «الأزمة الإقتصادية تسبب ضغطاً نفسي على المواطن. وهذا ناتج من عدم قدرته لشراء ما يرغب به. مما يخلق عنده نوعاً من أنواع الحرمان الذّي ربّما يفيد بتربية الأطفال ولكنه يؤذي إذا زاد عن حدّه. كما أنّ الإنسان المعاصر إستهلاكي بالدرجة الأولى، وبما أنّه تعوّد نظاماً ليبرالياً، سيواجه صعوبات بحرمان نفسه بعض الأمور».أمّا بالنسبة للوضع الأمني غير المستقر في البلاد فهو يؤثر، بحسب د. نهرا، سلباً في نموّ الأطفال، المراهقين أو حتّى الراشدين إذ انّ أياً منهم بحاجة لحد أدنى من شعور الأمان ليتطوّر نفسياً وفكرياً وعاطفياً. وبما أنّ الوضع الأمني مهتزّ حالياً، يخاف المراهقون على مستقبلهم، علماً أنهم يمرون أصلاً بمرحلة دقيقة وهي سنّ المراهقة التي تعتبر سناً ثورجية بامتياز. أمّا الأطفال فيشعرون بقلق ومخاوف أهلهم على صعيدي الإقتصادي والأمني.

 مرض أخطر من كورونا؟

تضيفد. نهرا أنّ «تأثير الأزمة الصحيّة التّي نمرّ بها حالياً تخلق نوعاً من أنواع الفوبيا. بما أنّ الخوف من المرض هو خوف ولكن حين يزيد عن حدّه يصبح هلعاً غير مبرر فقط بالجرثومة أو بالفيروس. وإنما يؤدي لنتائج متفاقمة على مستوى الصحّة النفسيّة وإضطربات من نوع مرضي. أي يصبح المرض ليس فقط جسدياً وإنما مرض نفسي مرتبط بأفكار سوداويّة، تؤدي إلى تشاؤم، وكآبة، وإحباط. فالهوس يجعل الفرد مثلاً يغسل يديه كثيراً، ويمنعه من السلام باليد، ويجعله ينطوي على نفسه. هذه الإنطوائية تؤدي إلى البُعد عن المجتمع وتخلق فوبيا من نوع آخر وهي فوبيا العجقة والناس».

هوية الأكثر ضرراً 

وفقاً لدراسة أعدتها «المجلة العربية للنشر العلمي»، بالنسبة لصحة اللبنانيين النفسية خلال جائحة كورونا في ظل بعض المتغيرات الديمغرافية؛ «يعاني المراهقون من تدني مستوى الصحة النفسية مقارنةً بالراشدين وكبار السنّ. تعاني الإناث من مستوى منخفض على صعيد الصحة النفسية مقارنةً بالذكور. كما أنّه يتأثر العازبون والعازبات بشكل أكبر من المتزوجين. وكلما انخفض المستوى التعليمي، انخفضت مستويات الصحّة النفسيّة. يعاني العاطلون من العمل من مستويات أكثر إنخفاضاً من الصحة النفسية مقارنة بالعاملين، وبالتالي فإنّ الأشخاص ذوي الدّخل الإقتصادي المتدني هم الأكثر تأثراً بالجائحة مقارنةً بذوي المستوى الإقتصادي التوسط والمرتفع».

وذكرت د. نهرا أنّ «الفئات الأكثر ضرراً هي الأولاد بالدرجة الأولى، ثمّ المراهقون ويليهم الراشدون، كما المرأة الحامل وكبار السنّ، لأننا نعتبر أنّ هؤلاء الأفراد ليس لديهم فكر مكتمل لمواجهة المصاعب، ولا قدرة على تخطي الأزمات».

 في هذه المرحلة...المرونة النفسية هي الطلوبة! 

يشير الإختصاصي في علم النفس الإيجابي التطبيقي والكوتشينغ ميلاد حدشيتي إلى أنّ «المرونة النفسية تساعد الإنسان على إجتياز الصعوبات. صحيح أنّ المرونة لها علاقة بالعوامل الجينية ونوعية الخبرات والضغوطات التي تعرض لها الإنسان، إلاّ أن يمكن العمل على عوامل ترفع من قدرة الإنسان على إجتيازه الصعوبات. مثلاً السيطرة على الأفكار السلبية، تخصيص أوقات للراحة، أوقات للعائلة، تطوير مهارات معيّنة...».

ويضيف حدشيتي أنّ «التفاؤل في صدد هذه الظروف لا يعني فقط النظر بالنصف الملآن من الكوب وإنما معرفة كيفية التعامل مع النصف الفارغ بمرونة أي التعامل بسلاسة وبإنفتاح. والإنفتاح يعني عدم كبت المشاعر والاعتراف بالمقابل بنقاط ضعفنا، كما الاعتراف بشعور القلق أو الخوف الذّي نعيشه».

ومن جهتها، تؤكد د.نهرا بالنسبة لكيفية تخطي الصعوبات النفسية «نحبّذ كمعالجين نفسانيين التواصل السليم مع الآخرين، التفريغ بطريقة إجتماعية، تكاتف العائلة، بعيداً عن اللجوء للأدوية. كل هذه العوامل تقوّي المناعة النفسيّة. مما يجعل الفرد قادراً على مواجهة الأزمات بسلام داخلي».

من أزمة إقتصاديّة، وأمنيّة، وصحيّة وسياسيّة، المواطن يعاني من جهة، والأزمات تتفاقم بعيداً عن أي حلحلة من جهة أخرى. وفقاً لتقارير جمعيّة «إمبرايس»، إرتفع عدد الإتصالات على الخطّ الساخن 1564 للدعم العاطفي والوقاية من الإنتحار خلال شهر تشرين الأوّل لهذا العام إلى 492 إتصالاً مقابل 234 العام الماضي للشهر عينه. لكلّ فئة عمريّة إهتمامات معيّنة وخوف من مصير مواضيع مختلفة. ولكن بين القلق من المرض وتأمين لقمة العيش، أو حتّى الإستقرار الأمني، نفسية المواطن تبقى أوّل ضحيّة.