الراتب يراوح مكانه فيما الأسعار تحلّق...شجرة العيد من دون هدايا؟ إعتاد الأهل، مع بداية شهر كانون الأوّل، إستلام لوائحَ بأسماء الألعاب التّي يريدونها أولادهم. وكلما كان الولد «يلتزم» بحسن سلوكه، كلما كبر حجم الهدية. ولكن هذه السنة، ستُقلب المقاييس بصدد تردي الأوضاع الإقتصاديّة،إنخفاض القدرة الشرائيّة لدى المواطن وإرتفاع الأسعار. فكيف أثّرت الأزمة الإقتصاديّة على المحال التجاريّة التّي تُعنى ببيع الألعاب؟ وكيف يجب أن يبرر الأهل لأولادهم عدم تأمينهم الهدايا المطلوبة لهذه السنة؟

«حتّى لو دفعت معاشي كلّه، مهم فرّح قلب أولادي»، بهذه الكلمات إختصرت رين، أم لثلاثة أولاد، عن مدى إستعدادها لشراء الهدايا لأولادها خلال هذا الشهر. ولكن ثمّة إستثناءات! بعد جولةٍ على بعض المحال التجاريّة، دققت رين بأسعار مختلف الألعاب ولاحظت أنّ معدّل سعر «أبسط» هديّة لكل ولد هو ما يقارب 150,000 ليرة. «كمجموع هدية لكل ولد، سأدفع مبلغ 450,000 ليرة، الذّي يشكلّ أكثر من 40% من راتبي».

وفي هذا السياق، يؤكد صاحب احد المحال التجاريّة رواد رياض أبو جودة أنّ «الأسعار إرتفعت أكثر من 500% بسبب إرتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء. بما أنّ أسعار الألعاب هي بالدولار، وسعر الصرف يتأرجح اليوم بين ال7000 وال9000 ليرة. ولكن نسعّر البضاعة وفقاً ل7000 ليرة حتّى ولو إرتفع سعر الصرف عن ذلك». وبالنسبة للمبيعات يضيف أبو جودة أن « كل سنة تنخفض المبيعات أكثر فأكثر. ولكن هذه السنة تشهد التراجع الأبرز إذ تراجع المبيع حوالى 80%، وهذا مُتوّقع كون تُعتبر الألعاب «ثانوية» مقابل تأمين لقمة العيش».

مفهوم الهديّة...ليس بقيمتها!

بررت رين عدم تأمين «بابا نويل» كل الهدايا لأولادها بأنّه غير قادر على التنقل من محل تجاري إلى آخر لتأمين الهدايا لجميع الأولاد، خوفاً من إلتقاطه فيروس كورونا.كما أنها حاولت تصويب النقاش حول تقبل أي هدية يتلقونها. ولكن ما الذّي يجب أن يُقال للأولاد؟

تشير المعالجة والمحللة النفسية د.ماري-آنج نهرا إلى «أنّ عيد الميلاد هذه السنة سيتضمن نوعاً من الحرمان بفعل الظروف القاسية التي يعيشها المواطن. لذا من الأفضل أن يتغيّر مفهوم الهديّة لدى الولد. وهذا يعني تسليط الضوء على مدى أهمية الهدّية بمَن يهديها، بدلاً من التركيز على حجمها أو مضمونها. فالأهميّة تكمن بأن الأهل فكروا بأولادهم بغضّ النظر عن قيمة الهدية المادية».

وتقول د. نهرا أنّ «الفكرة التّي يجب ترسيخها بعقل الولد هي أنّ القيمة المضافة للهديّة تكمن بالحب وبالمشاعر التّي تترافق معها. كما أنه من المفضل تذكيره بأن ثمّة أولاد محرومين من أصغر هديّة. وبهذه الطريقة، سيُقدّر الولد أي هدية يتلقاها وبالتالي سيتخلى عن خيبة أمله أو حزنه ليلة عيد الميلاد إذا لن يحصل على الهدايا الإستهلاكيّة التّي يريدها».

أيها الأهل لا تشعروا بالذنب!

تضيف د. نهرا أنّ « عملية الحرمان أحياناً هي جزء من العمليّة التربوية التي تتضمن توازناً بين الأخذ والعطاء. فالتضحية أساسية في النمو الفكري للولد. إذا حصل على كل الهدايا التّي يتمناها فهذا لا يعني أنّ تربية الأهل له هي التربية الصالحة. ولكن في حال حُرم الولد لسبب ما، من هديّة معيّنة، فيجب أن يُفسّر له أنّ هذا لا يعني أنه «أقلّ قيمة» من رفاقه. لا بل بالعكس تماماً، فهو أفضل منهم بما أنّه قادر على تقبل الحرمان وتحويل نتائجه لمصلحة نموه المدرك. مما يعني أنّه سيكون على إستعداد للتخطيط والحلم بالمستقبل وبإنجازاته.

وتختم د. نهرا مشيرةً إلى أنّ الظرف الإقتصادي العالمي يتجه إلى التدهور مادياً بسبب الإستهلاك المفرط.وبالتالي التقشف سيصبح «نمط حياة» الإنسان. لذا، من الأفضل أن يفهم الولد أن الهديّة التّي يريدها «ستكلفه» أن يجمع مبلغ من المال ليتمكن من شرائها عن جدارة وبإستقلالية.

ربّما هذه السنة ستكون معظم أشجار العيد من دون هدايا، بسبب إرتفاع أسعار الألعاب وإنخفاض القدرة الشرائيّة لدى الأهل. ولكن معنى الهدية الحقيقية ترتكز على إجتماع العائلة ليلة العيد، وتوزيع الهدايا الرمزيّة التّي تقتصر على كميّة الحب وراءها. لذا هذه السنة الفائض سيكون بعيداً عن عدد وحجم الهدايا وسيكمن بالمقابل بحجم المحبة!