اعطى المحقق العدلي القاضي فادي صوان موعدا جديدا للمثول امامه للمدعى عليهم حيث لم يحضر رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب ولا الوزراء الثلاثة الاخرون امس. اتى ذلك بعد ان رسم رؤساء الحكومات السابقة خطوطاً حمراء على موقع رئيس الحكومة رافضين اي مس بهذا المركز وبالطائفة السنية في حين ان الخط الاحمر الوحيد الذي يجب عدم تجاوزه هو دماء الشهداء الذين سقطوا في انفجار المرفأ في 4 اب 2020 والذي حول بيروت الى مدينة ركام. للاسف «وباء» الطائفية طغى على العدالة للشهداء وللجرحى ولاهالي بيروت الذين فقدوا منازلهم وهجروا من مناطقهم بعد التدمير الهائل الذي احدثه التفجير.

والحال ان الحملة التي طالت القاضي فادي صوان ليست في مكانها لان التحقيق لم ينته بعد ولم يختم وتقول المعلومات ان هناك ادعاءات جديدة ستطال مسؤولين اخرين. ذلك ان احدا لا يقبل بالاستنسابية في مجرى التحقيق والاستقواء على الضعفاء والتغاضي على الاقوياء. ولذلك على القاضي صوان استكمال التحقيق خاصة انه عندما بعث برسالة الى المجلس النيابي ذكر في رسالته 12 شخصية من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقة وتسعة وزراء مالية واشغال وعدل. من هنا، لردع الحملة عليه يجب ان يدعي على من تم ذكرهم في رسالته للبرلمان. اما تخوين القاضي صوان واعتباره انه لا يريد التوصل الى الحقيقة فهذا استباق لنتائج التحقيق وهو لا يزال في بدايته.

فلماذا هذا الاصطفاف الطائفي السني الذي يوسع الشرخ بين مكونات الشعب اللبناني؟ ذلك ان لا موقع ولا دين ولا طائفة اعلى مقامة من الدماء الزكية التي سالت يوم انفجار المرفأ. الشهداء والضحايا كانوا من المسلمين والمسيحيين، كانوا من السنة ومن الشيعة ومن الكاثوليك والموارنة والارثوذوكس اضافة الى ان بيروت عاصمة كل اللبنانيين، فهل يمكن لاي طرف ان يرضى بما حصل لعاصمته و لمدينته التي تحيا في قلوب الجميع؟

انه لأمر محزن ان تدخل الطائفية في انفجار ازهق ارواح لبنانيين وليس مواطنيين من جنسيات اخرى ولا نر اي استعطاف للشهداء ولاهاليهم وللجرحى وللمشردين من بيوتهم.

بموازاة ذلك، وفي الاستحقاق الحكومي الذي لا يقل اهمية عن الانفجار خاصة ان لبنان يشارف على الانهيار الكامل، ثمة سياسيون يغامرون بمصير لبنان وان كان على حافة الهاوية وان كان الشعب اللبناني يعيش في بؤس ويأس وفقر وجوع. اذ ان غرورهم وأنانيتهم اكبر من الدولة وشراهتهم للمزيد من النفوذ لا يوقفها انهيار مالي خطير ولا يردعها مآسي الشعب المسكين ولا الهجرة للاعداد الكبيرة من اللبنانيين. بكل أسف، اضحى الفقراء الشريحة الاكبر في المجتمع اللبناني ذلك ان الطبقة الوسطى تتقلص ان لم تختف في ظل وضع مالي واقتصادي واجتماعي كارثي. كل يوم يمر، يحرم المواطن اللبناني من شيء سواء من المواد الغذائية او الادوية مع الارتفاع الحاد للاسعار الذي ادى الى تراجع في القدرة الشرائية عند المواطن ناهيك عن الفساد الاداري والترهل المؤسساتي. واذا استمر الوضع على ما هو عليه اليوم فقريبا ستسود العتمة البيوت والطرقات فضلا ان الامن الغذائي الذي هو جزء من الامن القومي مهدد بشكل كبير عند رفع الدعم الذي لا مهرب منه.

ورغم كل هذه العوامل السلبية والخطيرة، هناك من يعرقل تشكيل الحكومة ويهدر المزيد من الوقت في حين ان اللبناني يعيش في اقسى الظروف المعيشية ويعاني الامرين في بلده نتيجة لامبالاة لسياسيين قل مثيلها في التعاطي مع الشعب.

تصعيد سياسي بين قصر بعبدا وبيت الوسط

الى ذلك، تأزم العلاقة الدستورية وصراع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري والبيانات المتبادلة بين الحريري رداً على رسالة الوزير السابق ومستشار عون سليم جريصاتي ورد عون وجريصاتي على رد الحريري ورد الحريري عليهم جميعاً، يدل على مدى عمق الشرخ والتعقيد في ملف الحكومة وترحيله الى ما بعد زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وربما الى ما بعد الشهرين الاوليين من العام المقبل.

وتكشف اوساط في «الثنائي الشيعي» لـ «الديار» انه مع تقديم التنازلات المتبادلة بين الحريري وعون والتفاوض الهادىء للوصول الى تشكيلة منطقية ومتوازنة.

ويرى «الثنائي» ان ليس هناك من وقت محدد او قريب للتأليف لكنه سيحدث في نهاية المطاف، ويجدد رفضه التوسط بين الرجلين لان غياب الارادة سيفشل اي وساطة ويلقى باللوم على «حزب الله» كمعطل كما جرت العادة.

من يعرقل ولادة الحكومة؟

في مسار تشكيل الحكومة، قالت اوساط مطلعة للديار ان رئيس الجمهورية يريد قواعد واضحة بمعيارين. اولا ان تكون القاعدة الاساسية المتعلقة بالمداورة يجب ان تحترم مع جميع الاطراف السياسية فكيف يمكن للرئيس المكلف ان يطبق المداورة على احزاب سياسية معينة ويجمدها لاحزاب اخرى.

ثانيا، رئيس الجمهورية واضح في تسمية الوزراء. هنا تتساءل هذه الاوساط كيف يمكن لرئيس تيار سياسي سني الطابع ان يسمي وزراء مسيحيين وفي الوقت ذاته لا يمكن للرئيس عون ان يتدخل في تسمية الوزراء السنة الى جانب عدم اطلاعه على اسماء وزراء الشيعة.

وتابعت الاوساط المطلعة انه لو كان الرئيس المكلف السابق مصطفى اديب هو الذي يعمل على تشكيل الحكومة، يمكنه التشاور مع رئيس الجمهورية في مسار التأليف ومطالبته بتسمية وزراء غير محسوبين على اي حزب سياسي في لبنان بما ان السفير مصطفى اديب مستقل وغير حزبي.

وعليه، تعتبر هذه الاوساط ان المنطق والحجة اللتين يرتكز عليهما رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اقوى من المنطق والنهج الذي يعتمده الرئيس سعد الحريري في مقاربة تشكيل الحكومة. والحال اما ان يعتذر الرئيس الحريري واما ان يشكل حكومة ضمن معيار واحد على الجميع. واذا استمر الحريري بسياسته تلك فان العهد لن يقبل ان ينكسر امام الرئيس المكلف ويوقع على حكومة تنتقص من نفوذه.

زيارة ماكرون : المبادرة الفرنسية على المحك

لم يعد خافيا على احد ان هناك خيبة كبيرة لدى المسؤولين الفرنسيين نتيجة فشل لقاء الرئيسين عون -الحريري لتشكيل حكومة والتعاطي الفاشل مع الازمة المالية والاقتصادية. وخير دليل على ذلك، تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان بأن انهيار لبنان يشبه غرق تيتانيك واصفا المسؤولين اللبنانيين بـ «انهم في حالة انكار تام وهم يغرقون ولا توجد حتى موسيقى». هذا التصريح هو تحذير فرنسي جديد يستبق زيارة الرئيس الفرنسي ايمانيول ماكرون ويعكس بوضوح الاستياء الفرنسي من تعاطي المسؤولين اللبنانيين مع الاست حقاق الحكومي.

ولكن حتى اللحظة، لا تزال زيارة ماكرون غامضة المعالم فالرئيس الفرنسي لا يزال يملك اوراق ضاغطة قد تحث الافرقاء الى التسريع لولادة الحكومة خاصة ان الوضع لا يحتمل المزيد من هدر الوقت. وعليه المساعي الفرنسية لا تزال قائمة في محاولة اخيرة ربما لتذليل العقبات التي تمنع ولادة حكومة وفقا للمواصفات الفرنسية.

وقالت اوساط ديبلوماسية للديار انه اذا لم يتمكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من اليوم حتى مجيئه الى لبنان في 22 كانون الاول الجاري من تحقيق اي اختراق فلن يقبل على نفسه انه فشل في مساعيه وبالتالي ستكون زيارته لبيروت وعدم لقائه اي من المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة وشديدة اللهجة انه ليس بوارد الالتقاء مع سياسيين لا يطبقون المبادرة الفرنسية.

القوات اللبنانية : حرب صلاحيات بين الرئاسة الاولى والثالثة بينما المواطن يعيش ببؤس وفقر

بدورها، قالت مصادر في القوات اللبنانية للديار ان هناك حرب صلاحيات مستعرة بين الرئاسة الاولى والثالثة والى صراع على النفوذ في حين ان الشعب اللبناني لا يكترث اليوم بالصلاحيات او الدستور او النظام بل همه الوحيد والاوحد هو انه يريد العيش بكرامة لا الموت جوعا وفقرا في ظل البطالة المتفشية والكارثة المعيشية نتيجة الازمة المالية الخطيرة. وبالتالي تشدد القوات اللبنانية على التركيز على انقاذ الناس والدولة اللبنانية وكل ما عدا ذلك هي مواجهات على حساب الشعب اللبناني بعيدا عن آوانها وعن توقيتها وبعيدا عن اللحظة الوطنية التي يشهدها لبنان.

وتابعت المصادر القواتية الى ان الاولوية هي وضع خطة لانهاء الازمة المالية والاقتصادية وكيفية وضع لبنان على خريطة الانقاذ.

اما في قضية تحقيق انفجار المرفأ والادعاءات التي حصلت، جددت القوات اللبنانية مطالبتها بتحقيق دولي لانها منذ البداية استشرفت القوات الى ما ستصل اليه الامور في لبنان على هذا المستوى. ذلك ان هناك عدة عوامل ارتكزت عليها القوات عندما طالبت بلجنة تحقيق دولية لناحية وضع الدولة في لبنان ووضع المؤسسات والصراعات القائمة والانقسامات الموجودة وبالتالي القضاء في ظل هذه العوامل لن يتمكن من القيام بعمله المطلوب والتوصل الى نتيجة جدية في انفجار مرفأ بيروت.

اوساط مقربة من الوطني الحر : الحريري يؤخر الحكومة بهدف عدم تحمل تداعيات رفع الدعم

من جهتها، قالت اوساط مقربة من التيار الوطني الحر انها تؤيد استكمال مسار التحقيقات للوصول الى الحقيقة في قضية انفجار مرفأ بيروت الا انها دانت الاستنسابية في قرار القاضي فادي صوان لناحية الادعاء على رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب بتهمة الاهمال دون سواه من رؤساء حكومات سابقين. واشارت هذه الاوسط ان دياب علم بوجود الامونيوم نيترات في المرفأ قبل اسبوعين من الانفجار في حين ان رؤساء الحكومات السابقين مثل نجيب ميقاتي وتمام سلام وسعد الحريري علموا بوجود الامونيوم نيترات وترأسوا حكومات لفترات اطول من دياب الا ان القاضي صوان لم يدع عليهم. على هذا الاساس، اكدت الاوساط المقربة من التيار الوطني الحر رفضها لان يكون حسان دياب كبش فداء في قضية انفجار المرفأ كما عدم قبولها بتسييس التحقيق والقيام بتصفية حسابات في اطار التحقيق بالانفجار في 4 آب 2020.

في الوقت ذاته، اعربت الاوساط المقربة من التيار الوطني الحر عن اسفها لمذهبة قضية الادعاءات والتحقيقات مشيرة الى ان الرئيس المكلف سعد الحريري لم يتضامن مع رئيس حكومة تصريف الاعمال كرمى لـ «عيون دياب» بل استباقا لأي ادعاء قد يطاله اي بمعنى اخر لحماية نفسه في حال ادعى القاضي صوان على الحريري.

ولفتت هذه الاوساط الى ان كل مسؤول منذ عام 2013 يرتبط عمله وصلاحياته بمرفأ بيروت الى يومنا هذا، فهو يتحمل مسؤولية في ما حصل طبعا اذا كانت الادلة تثبت اهمال او تقصير او اي شبهة في انفجار بيروت. وأكدت هذه الاوساط ان اي مسؤول وان كان قريباً من التيار الوطني الحر سيتم الادعاء عليه من قبل القاضي صوان في حال وجود ادلة دامغة عليه، لن يدخل الوطني الحر «الطائفية او المذهبية» في خطابه ولن يعتبره استهدافا للمسيحيين او لمركز مسيحي.

اما على صعيد الملف الحكومي، اكدت الاوساط المقربة من التيار الوطني الحر ان السبب الحقيقي لعدم ولادة حكومة اليوم هو ان الرئيس المكلف الحريري لا يريد تشكيلها في ظل هذه الظروف الراهنة وخاصة الظروف الاميركية. كما لا يريد التسريع في تشكيل الحكومة كي لا يتحمل كرة النار المتمثلة برفع الدعم عن المواد الاساسية. من هنا، اشارت هذه الاوساط ان الحريري قدم تشكيلة حكومية غير قابلة للحياة لرئيس الجمهورية ناهيك انه لم يتشاور مع اي من رؤساء الكتل النيابية ولم يحترم وحدة المعايير في صيغته الحكومية. لذلك اعتبرت الاوساط المقربة من التيار الوطني الحر انه بات واضحا ان الحريري هو من يرفض تشكيل حكومة في هذه المرحلة لان كل الدلائل تشير الى ذلك.

وفي سياق اخر، أسفت الاوساط المقربة من الوطني الحر قيام القوات اللبنانية بالتصويب على المركز الاعلى للمسيحيين في الدولة وهي رئاسة الجمهورية فضلا عن انتقادها له رغم ان الرئيس عون يريد تنفيذ مشروعه الاصلاحي. وقالت : «بدلا من ان يتضامنوا مع رئيس الجمهورية ويساندوه في مساره الاصلاحي يطلقون السهام باتجاهه». ورأت ان النهج الذي تتبعه القوات اللبنانية يدل على انها لا تريد بناء دولة مشيرة الى ان القوات لطالما كانت ميليشيا وقد انخرطوا في الدولة وفقا لمصالحهم وعندما لم يتم تلبية مطالبهم ومصالحهم خرجوا من الحكومة وباتوا يتبنون شعارات شعبوية على غرار الدولة القوية ودولة المؤسسات في حين ان القوات اللبنانية لا تناسبها قيام دولة قوية.

اوساط بارزة في 8 آذار : العقد داخلية وليست خارجية في مسار تشكيل الحكومة

الى ذلك، كشفت اوساط بارزة في 8 آذار للديار ان العقد والخلافات التي تحول دون ولادة الحكومة هي داخلية وليست خارجية خلافا لما يدعي البعض. ذلك ان بعض الجهات السياسية تشير الى وجود ضغوطات اميركية على الرئيس المكلف وتهديده بعقوبات اذا ضمت حكومته وزراء تابعين بشكل غير مباشر لحزب الله ولهذه الاسباب يماطل الحريري في التشكيل الى ان يستلم الرئيس الاميركي جو بايدن رسميا زمام السلطة ويرحل دونالد ترامب من البيت الابيض. وتعقيبا على ذلك، تقول هذه الاوساط ان هذه الذريعة لو كانت صحيحة لما كان الحريري قد طلب من المقاومة اعطاءه اسماء الوزراء لتشكيلته الحكومية. وليس الحريري من رفض اسماء الوزراء الشيعة بل حزب الله اختار عدم اعطائه الاسماء قبل حل الخلاف الحاصل بين رئيس الجمهورية وبين الرئيس المكلف.