هل التجويع والطوابير امام الافران والحصارات انتصار لاميركا والرياض؟

التسوية بحاجة لفراغ... وحروب صغيرة حتى الانتخابات السورية والايرانية

الرئاسات والمرجعيات السياسية والدينية والاحزاب والطوائف في مأزق يترجم بالعجز عن تأليف الحكومة وانقاذ الوطن وتسيير شؤون الناس، وهذه المنظومة الحاكمة تنتظر الخارج كونها عاجزة دون تدخل دولي وعربي عن الحل وتأليف الحكومة، وهذه الظاهرة ليست بالجديدة على الحياة السياسية اللبنانية، ورافقت كل محطات الازمات اللبنانية منذ العام 1975 وما قبله وما بعده عبر موفدين عرب واجانب، امثال محود رياض والشاذلي القليبي وعمرو موسى والاخضر الابراهيمي وفيليب حبيب اضافة الى موفدين اميركيين وفرنسيين وسعوديين وسودانيين، بالاضافة الى اجتماعات وزراء الخارجية العرب في لبنان وتونس والمغرب، وكانوا جميعهم يغادرون محبطين من التركيبة اللبنانية والطبقة السياسية اللبنانية وكانوا يصلون الى تسويات وهدن مؤقتة وما بينها من حروب كبيرة اخذت البشر والحجر حتى دخول الجيش السوري باتفاق سعودي اميركي دولي. واستطاع السوريون ادارة البلد بطريقة الطبقة السياسية الفاسدة، ومارست الطبقة المشتركة كل انواع الموبقات الا بناء الدولة، لكن الفريق السوري ومن باب التوازنات لم يمنع وصول معارضة محترمة الا انها فرملت الى حد ما السياسات المالية الخاطئة عبر الرؤساء حسين الحسيني سليم الحص وعمر كرامي، نسيب لحود وبطرس حرب، اوغست باخوس والبير مخيبر ومحمد يوسف بيضون وبهيج طبارة وزاهر الخطيب ونجاح واكيم ومصطفي سعد وجميل شماس، وكثيرون اعطوا الحياة السياسية نكهة مميزة.

كما ان السوريين منعوا التدخلات في الجيش اللبناني وحموا ظهر المقاومة وامنوا لها كل طرقات العبور، كما قام السوريون بتوزيع للمحصصات بشكل ارضى الجميع ومنعوا التدخلات الخارجية دون اي انتقاص من الادوار الاميركية والسعودية والاوروبية، هذه التوليفة السورية سمحت بتشكيل الحكومات سريعًا ومن عارض دفع الثمن، وسارت الامور على هذا المنوال حتى 2005 وسقوط التوافق الاميركي السعودي السوري من دون اي اتفاق دولي جديد على صيغة بديلة وسط حماوة داخلية سمحت لايران وحلفائها بتعبئة الفراغ السوري من بوابة حفظ المقاومة والابتعاد عن الملفات الداخلية المعقدة والمغلفة بالتوترات دون اي ضابط او وسيط عادل حتى اتفاق الدوحة الذي كان طارئا وجاء بالرئيس ميشال سليمان لتمرير المرحلة دون خسائر كبيرة مع غياب اي معالجة جدية لجوهر الازمة، وفاقم الامور انفجار الازمة السورية والانقسامات العربية وصعود دور ايران واتساع رقعة التوترات في الخليج، وهذا انعكس ايضا على لبنان بتفاقم الخلافات السياسية وحدوث ازمات طويلة عند تشكيل اي حكومة او معالجة اي ملف وزاد التوترات النشاط الارهابي، والانكى اجراء انتخابات نيابية منعت فيها الطبقة السياسية وصول اي صوت اخر واي تنوع، وقضت على الحياة السياسية كليا، ورموز الحكومة باتوا رموز المجلس النيابي، واستنسخت مومياءات سياسية لا تعرف الا الولاء الاعمى، وغرقت البلاد في خلافات عاصفة مع ترف سياسي واقتصادي شمل كل المرافئ وتجاوز حجم النفقات والفساد 79 مليار دولار دون انجاز اي مشروع حيوي، بل على العكس مارست هذه الطبقة وازلامها كل السيئات، وجمعوا ثرواتهم وجمدوها في المصارف وارسلوها الى الخارج ولم يستثمروا اموالهم في مشروع انتاجي واحد، وطار البلد جراء هذه السياسات، ومن الطبيعي ان تعجز هذه الطبقة عن تأليف الحكومة، والبلد اليوم بطوائفه ومرجعياته واحزابه و«حراكه» في مأزق حقيقي، والافق مسدود كليًا والذين يراهنون على تطورات خارجية عليهم ان يدركوا ان الانتخابات السورية والانتخابات الايرانية هما الاساس ويتقدمان على كل الملفات حاليا، وربما التسوية تحتاج لفراغات وحروب صغيرة متنقلة، وهذا ما سيبقي لبنان في «البراد» بانتظار الاستحقاقين الكبيرين.

وتقول مصادر متابعة، لقد تزامن مع حكم الطبقة الفاسدة تحولات عربية ودولية جذرية في السعودية واميركا عبر حكم ترامب والحصارات وسياسات قائمة على تجويع الشعبين السوري واللبناني وكل الشعوب العربية،وبات البعض في لبنان والرياض وواشنطن يعتبر وقوف شعوب هذه الدول طوابير طويلة امام الافران انتصارًا لسياسات اميركا ومشاريعها، وان هذه المشاهد ستؤمن انظمة لصالحها، وسها عن بال الاميركيين والسعوديين ان الشعب اللبناني بكل طوائفه والمؤيدين لاميركا سيدفعون اولا الثمن، بينما اجراءات حزب الله تخفف المشاكل والمعاناة عن جمهوره الى حد ما، وهذا هو حال الدولة السورية وكل الدول العربية حيث الشعوب تعاني الامرين والكبار يقامرون في اوروبا ماليا ورياضيا، وهذه السياسات لن تغير شيئا في موازين القوى او تمنع وصول الصواريخ الدقيقة للمقاومة او دفع محور المقاومة الى رفع الرايات البيضاء، بل على العكس فان هذه السياسات ستفتح الابواب وتشرعها لجيل سياسي ضد السياسات الاميركية والخليجية مشابه لجيل مرحلة ما قبل ال75 وال 80 وولادة التنظيمات الثورية المؤمنة بالعنف الثوري وضرب المصالح الاميركية، وقادها في تلك الفترة مناضلون لبنانيون وعربًا واوربيون كعلي شعيب وابراهيم حطيط وسامي ذبيان وغيرهم مع منظمات فلسطينية واوروبية، ونشهد نموذجًا لهذه الافكار والممارسات في التحركات الاخيرة امام المصارف.

وتتابع المصادر، على الادارة الاميركية ان تدرك ان السياسة الحالية ستؤدي الى خسارة واشنطن كل اوراقها في لبنان، وماذا استفادت اميركا من الدعم المطلق لـ«اسرائيل» والنظر الى مشاكل المنطقة بعين واحدة، وعلى الادارة الاميركية ان تدرك ان «اسرائيل» باتت عاجزة عن لعب دور «كلب الحراسة» للمصالح الاميركية بعد ان اصبحت صواريخ المقاومة تصل الى حيفا وما بعد حيفا، و«اسرائيل» هي التي دفنت التسوية كليا و قتلت رابين، اما سياسة التجويع والحصارات ستشكل الارضية الخصبة لولادة اجيال ترفض الحلول وتأخذ المنطقة الى الفوضى، والقادر على الصمود سينتصر ويستمر، ووحدها ايران تملك المشروع وعوامل الصمود والبقاء، اما الاخرون من شعوب وانظمة سيدفعون الثمن واولهم اصدقاء اميركا.