ثمة إشكاليةٌ محورية تتظهر في هذه المرحلة من عمر لبنان القضائي مرتكزة على موروث وفير من التجاوزات التي تخطت في دولة الحرف والقانون الحسيب والرقيب لتتحول الى قضاء وقدر. فبعدما كشفت العديد من الأحداث والمحطات الداخلية عمق الفساد المستشري في الجسم القضائي بات لزاماً علينا أن نضع الإصبع على أحدد أهم وأخطر الجروح في الوطن وهو القضاء.

يشكّل الفساد أحد أبرز عوامل الخلل في أداء القضاء اللبناني، وإن كان يصعب إعطاء معلومات دقيقة عن حجمه في ظل ضعف أجهزة الرقابة والتزامها بأصول السرية ، وقطعاً لأي اتهامٍ بالتعميم أو المس بالجسم القضائي بأكمله، نسارع إلى القول بأن المقصود بالفساد القضائي هو انتشار حالات فساد داخل القضاء وهو نسبي بغياب أدوات فعالة أو رادعة لضبطه، بل أحيانا بتغطية إدارية أو قانونية من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الفساد بات حالة عامّة في القضاء.

وتبعا لمصادر مطلعة في الشأن القانوني فإن الفساد يندرج ضمن تفنيد متسلسل ومترابط بغض النظر عن الاشخاص والآليات المتبعة وبعيدا عن التشخيص والتحديد.

فبخلاف ما نستشفه من الخطاب الرسمي، لا يقتصر الفساد القضائي على الفساد المالي ـ تلقي رشى من متقاضين ـ الذي يأخذ في غالبه طابعاً فردياً ، إذ يشمل أيضاً شكلاً آخر من الفساد يرجح أن يكون أكثر تأثيراً وانتشاراً في البيئة المهنية القضائية، هو الفساد الإداري الذي يستند عموما إلى ممارساتٍ شبه مؤسساتية، وقوامه ربط الإرتقاء المهني للقاضي بتعامله الإيجابي مع تدخلات كبار القضاة أو القوى السياسيّة الحاكمة ، ومن شأن هذا الفساد أن يؤثر في التصور الوظيفي للقضاء، بحيث يبتعد عن القضاء المستقل ليقترب أكثر من قضاء التعليمات.

إن الفساد القضائي يرتبط بأكثر حالاته بتأثيرات خارجةٍ عن القضاء، أهمها اليد الطولى للقوى السياسية في تنظيم المسارات المهنية للقضاة. فلا يخفى على أحد أن أعضاء الهيئات المشرفة على القضاء يعينون في غالبهم من السلطة التنفيذية ، وأن عدداً من القضاة ما كانوا ليتولوا مناصبهم القضائية لولا تدخل السلطة التنفيذية في التعيينات القضائية، أو ما كانوا ليحتفظوا بها بمنأى عن أي مساءلة لولا شلّ هيئة التفتيش القضائي وتعرضها لتدخل واسع في أعمالها.

من هنا، ترصد المصادر المتابعة والموثقة لهذا الفساد بإشاراتها إلى النقاشات النيابية خلال الستينيات حول تطهير القضاء، والتي عزت صراحة الفساد القضائي إلى فقدان هيئة التفتيش لفاعليتها بنتيجة التدخلات السياسية الحاصلة بعد الإستقلال، وتاليا بإشكالية إستقلال هذه المؤسسة القضائية عن السلطة الحاكمة.

غالباً، ما يستخدم خطاب الفساد القضائي أو حتى آليات مكافحته كأداة سياسية لإضعاف إستقلالية القضاء أو لتجريد المطالبة بتعزيزها من مشروعيتها، بمعزل عن أي إرادة حقيقيّة أو صلبة في مكافحته.

وقد ألمحت إلى ذلك المناقشات النيابية في العام 1999 على خلفية تقديم حكومة الرئيس سليم الحص انذاك مشروع قانون لرفع الحصانة عن القضاة.

وتبعاً لأهمية نقاش مسائل الفساد القضائي في لبنان يبقى هذا النقاش مجتزأً وعلى شيء من الخطورة في حال فصله عن تدخلات أصحاب النفوذ في القضاء أو عن فساد النظام السياسيّ ككل. كما قد يمهد الحديث عن مكافحة الفساد في القضاء لتدابير مقلقة في حال إجرائها بمخالفة لضمانات إستقلاله.

ولفهم معنى الفساد القضائي في لبنان، ليس أدل من العبارة التي وردت في متن شرعة أخلاقيات القضاء، وقوامها وجوب تشجيع القضاة على مواجهة التيارات المناهضة التي قد ترى في نزاهة القاضي ضرباً من ضروب الضعف بالنسبة إلى متطلبات الحياة اليومية. فهذه العبارة التي يفاجئ وجودها في وثيقة أخلاقية، تعكس خللا في البيئة المهنية للقضاة من زوايا ثلاث:

- الأولى: أن قوة القاضي وقدرته على فرض رغباته وكسب مزيد منها تشكل هدفا للقضاة وأحد العوامل المكونة لسلوكياتهم، بحيث تكون السلوكيات المعززة لهذه القوة مرغوبة والسلوكيات المنافية لها مكروهة. وعليه، الإلتزام بالنزاهة ليس إلتزاما مسلما به، ودعوة القضاة للإلتزام بها يفترض إقناعهم مسبقا بأن السلوك النزيه لا يشكّل ضعفا.

- الثانية: أن مسألة الإلتزام بالنزاهة تدور فعليا في ذهن كل قاض، وتحديدا لجهة مدى تناسبها مع وضعية القاضي المهنية. ففي منظومة كهذه، يشعر القاضي بأن التزامه بالنزاهة يجرده تلقائيا من وسائل تتيح له الصمود في وجه ما قد يحاك له من تدابير تهمشه داخل القضاء ، فالقاضي النزيه غالباً ما ينتهي في ظلّ النظام الحالي مهمشاً وخير دليل على ما اقول ما جرى لقاضي الامور المستعجلة في مدينة صور محمد مازح من خلال قراره حيال السفيرة الاميركية في لبنان ومن هنا يرى القاضي الناجح الواصل الذي يرتقي المناصب في هذا الموجب ما قد يهدد مسيرة ارتقائه،

- الثالثة: ثمة تياراتٌ قضائية تناهض مكافحة الفساد ، ما يشكل إعترافاً بوجود دوائر نفوذ لها مصالح مناقضة تماما لما تقتضيه النزاهة، وهي تتولى عموماً حماية القاضي وضمان ارتقائه وظيفيا مقابل تعامله المرن مع موجب النزاهة خدمة لمصالحها.

لذلك يبقى مسار القضاء في لبنان مرتبطاً بمسار السلطة والسياسة التي تتحكم بمفاصل الدولة والتي تشكل احد اكثر الكمائن لمرور آمن لأي قضاء متجرّد ونزيه طبعا هذا لا ينفصلُ بالتالي عن القاضي نفسه الذي شعر بالضعف تجاه من زكاه او لانانيته الملتصقة بترتيب أولوياته على الصعيد الشخصي لنخلص في لبنان الى قضاء يشبه القضاء والقدر.