لم تعد مسألة تشكيل الحكومة، تتعلق فقط بشكلها وحقائبها واسماء وزرائها، على اهميتها، كما في ممارسة الصلاحيات، بل باتت تتعلق بالنظام السياسي الذي استنفد مهمته، كاداة طائفية، لادارة مجتمع مركّب من طوائف ومذاهب، تبحث كل طائفة فيه عن امتيازاتها وحصصها فيما يسمى «صيغة العيش المشترك»، التي ابتدعها ميثاق عام 1943، بين الرئىسين بشارة الخوري ورياض الصلح في ثنائية طائفية مارونية ـ سنية، وعندما اختلت بالمشاركة، حصلت ازمات ووقعت حروباً اهلية، اشعلتها ايضاً مصالح دول في لبنان.

فالتأخير الحاصل في ولادة الحكومة، حُددت لها تواريخ، واعطيت مهلاً، سواء من الرئىس الفرنسي ايمانويل ماكرون عبر مبادرته لمساعدة لبنان، او من خلال الموعد الذي ضربه الرئىس المكلف سعد الحريري، بعد لقائه الذي حمل الرقم 13 مع رئىس الجمهورية العماد ميشال عون، بأن بشّر اللبنانيين بأن تكون لهم حكومة قبل مناسبة ميلاد السيد المسيح، ليعود ويعلن من القصر الجمهوري بان الحكومة ارجىء تأليفها الى ما بعد العام الجديد، لكن هذا التاريخ ليس محدداً، ولا مؤكداً بانه سيحصل اتفاق على تشكيل الحكومة بين الرئىسين عون والحريري، المعنيين دستورياً باصدار مراسيمها.

ولم يعد خافياً، بان رئىس الجمهورية، لا يريد ان يكون «باش كاتب» في تشكيل الحكومة، يوقع مراسيمها، وفق ما تؤكد مصادر نيابية في «تكتل لبنان القوي» الذي يرأسه جبران باسيل، لان صلاحيات رئيس الجمهورية في هذه المسألة، هي المشاركة، وليس التشاور فقط، لان توقيعه الدستوري له ثمن، وليس مجاناً، وصحيح ان دستور الطائف نزع منه صلاحيات، لكنه ابقى له، هذا التوقيع الذي يضعه موضع الشريك، وليس الاستشاري.

فما كانت تشكو منه الطائفة السنية، من ان رئىس الحكومة في الدستور ما قبل الطائف، كان دوره «باش كاتب» عند رئىس الجمهورية، الذي يسمي الوزراء ويختار من بينهم رئىساً، بالحفاظ على العُرف بان يكون سنياً، فلن يتكرر هذا الامر مع رئىس الجمهورية الذي يعرض عليه رئىس الحكومة تشكيلته الوزارية، ويوقع عليها، بل هو شريكاً في الاختيار تقول المصادر، التي تشير الى ان الحكومة تبصر النور عندما يرى رئىس الجمهورية نفسه شريكاً فعلياً، لا ان تعطى له الاسماء، لاسيما المسيحية منها التي يحق للرئىس عون ان يكون له رأي فيها، وليس صحيحاً بان الرئىس المكلف سمى اربعة اسماء من تلك التي اقترحها رئىس الجمهورية.

لذلك، فان الخلاف بدأ يتعمق باتجاه كيف يمارس رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية، في تشكيل الحكومة، هل بان يطلع على الاسماء فقط وتوزيع الحقائب، ام يكون له رأي وقرار فيصبح شريكاً، كي لا يتحول الى «باش كاتب»، وهو المسمى «الرئيس المسيحي القوي» من تكتله النيابي وحلفاء له، فيضحى ضعيفاً في العامين الاخيرين من عهده.

فأزمة النظام السياسي، لم تعد خافية على احد، لا في الداخل اللبناني، ولا على المستوى الدولي، بعد ان اخفقت القوى السياسية المتحكمة بالسلطة، منذ ما بعد انتهاء الحرب الاهلية، في تطبيق الاصلاحات التي وردت في اتفاق الطائف الذي رسم خارطة طريق للخروج من الحالة الطائفية التي تحولت الى مذهبية، فلم يساعد اللبنانيون انفسهم في اقامة نظام سياسي لا طائفي، اذ الطائفية فيه حالة موقتة، وفق ما جاء في المادة 95 من الدستور، تقول مصادر سياسية متابعة، التي ترى ان الاوضاع السياسية المأزومة والانهيار المالي والاقتصادي الذي اودى الى افقار اكثر من نصف اللبنانيين، لا تسمح بهذا السجال الذي بدأ يتحول طائفياً، ويخشى ان يتكرر المشهد السياسي، الذي سبق انفجار الحرب الاهلية في 13 نيسان عام 1975، اذ كان تشكيل الحكومات يمر بأزمات، تحت عنوان «المشاركة» التي طرحها المسلمون في وجه «المارونية السياسية»، التي يرى اطراف منها، بان اتفاق الطائف سلب من صلاحيات رئىس الجمهورية.

ويرافق تشكيل الحكومة، التي دعا اليها الرئيس الفرنسي، لانقاذ الوضع الاقتصادي، دعوة اطلقها هو حول عقد سياسي جديد في لبنان، سبق لفرنسا التي لم تشارك في صنع اتفاق الطائف، ان رعت لقاءا لاطراف سياسية لبنانية، في «سان كلو» للبحث في هذا العقد، الذي يحمل اجتهادات عديدة، كاقتراح مؤتمر تأسيسي، والعمل بـ«المثالثة» التي بدأ العمل فيها ضمنياً من خلال الثلث الضامن او المعطل، والتوقيع الثالث للشيعة عبر وزارة المالية، بما يؤكد ان ما يشهده لبنان من ازمة دستورية سياسية، له علاقة بالنظام السياسي، الذي لو جرى تطبيق اصلاحات الطائف، لما كان اللبنانيون فيها.