في الوقت الذي ارتفع فيه عداد الإصابات بفايروس كورونا ليفتك باللبنانيين، سجّلت المراصد الأمنية ايضا ارتفاعاً قياسياً في عداد الجريمة التي راح ضحيتها أشخاص كثيرون في الأسابيع الأخيرة حيث لم يفصل وقت طويل بين حادثة وأخرى أكثر بشاعة مع تطور في أسلوب الجريمة التي اصبحت أكثر احترافية وجرأة وعلى «عينك يا تاجر» في كل المناطق اللبنانية، بين الكحالة التي شهدت تصفية الشاب جو بجاني الى منطقة الفرزل التي راح ضحيتها شربل نعيمي العنصر في مخابرات الجيش وعمليات سرقة وتصفية جسدية لم تفرق بين منطقة وأخرى من الهرمل والمناطق البعيدة الى بيروت وضواحيها والمتنين.

الازدياد المضطرد بأعداد السرقة والجرائم مربوط من دون شك بالعوامل السياسية وفقدان الثقة بالسلطة من جهة والعوامل الاقتصادية والمالية ربطاً بالانهيار الحاصل ولجوء الفقراء وعصابات السرقة لاستغلال العوامل المذكورة، والمفارقة ان مسلسل الجرائم انتقل الى كل المناطق بعد ان كان في مناطق محددة، فالأحداث في البقاع مشهد مألوف ويتكرر كل فترة بسيناريو او عنوان مختلف ويتخلله اطلاق قذائف وعيارات نارية، كما يحدث في بعض أحياء بعلبك، وقد اعتاد البقاعيون على المشهد المتنقل من شارع الى شارع ومن حي الى آخر، فالمنطقة فالتة بالمفهوم الأمني والشباب مدججين بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة و يتجولون في سيارات بزجاج داكن ولوحات مزورة من دون حسيب او رقيب، وحيث يصف البقاعيون ما يحصل أحيانا بفيلم على الطريقة الهوليوودية بأحداثه وعناصره ويختلف بين عمليات الثأر او على شكل مطاردات ليلية وفي وضوح النهار «تشليح وسرقة «عصابات مخدرات تنتهي كالمعتاد باللفلفة والضبضبة والاتصالات بين العشائر وشيوخ الصلح ومع الأجهزة الأمنية على طريقة «ابو ملحم» اللبنانية.

يضع السياسيون الفلتان الأمني بقاعاً في اطار الحرمان وفي سياق تقصير الدولة ووضع المناطق البعيدة على خريطة الإهمال والنسيان، فالشباب من دون فرص عمل والمنطقة لا تتوفر فيها مقومات المناطق الأخرى، ويعتبر السياسيون ان الدولة في البقاع تستقوي على «المواطن الضعيف»، فالأجهزة الأمنية تلاحق متعاطي المخدرات وتقوم بتسطير مخالفات البناء بجيوش جرارة ولا تهتم بمشاكل الناس وهمومهم، مع ارتفاع مستوى البطالة في مناطقهم.

عوامل كثيرة رافقت التدهور الأمني، فهناك كورونا أولا وارتفاع الفقر والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تضاعفت بعد 17 تشرين، بالنسبة الى القوى الأمنية الوضع في مناطق البقاع في خصوصيته لا يشبه المناطق الأخرى، لأن المرجع والكلمة الأساس للعشائر ولجان الصلح في مناطق متروكة ومهملة.

ما يحصل في البقاع من اشتباكات متنقلة مضاف اليه جرائم السرقة والقتل العشوائي في العديد من المناطق يطرح تساؤلات حول المسؤوليات وجولات القتل والسرقة المتنقلة، الا ان المؤكد ان الأجهزة الأمنية تواجه باللحم الحي بما تيسر لها من امكانات وليست مقصرة، لكن استنفار الأجهزة والدولة لن ينفع في وجه السلاح المتفلت الذي أوصل الى هذا المنحى الخطير.