تلقى ذراع شركة "ديلويت" للتدقيق المحاسبي في بريطانيا غرامة قياسية من هيئة الرقابة المحاسبية البريطانية في سبتمبر الماضي، وتكشف حيثيات الحكم الصادر ضد الشركة، التي تمَّ الإعلان عنها الأسبوع الماضي عن سبب تلك الغرامة.

وأظهر الحكم أنَّ المدققين يمكن أن يعملوا بصورة غير موضوعية لصالح عملائهم، إذ أخطأ عملاق المحاسبة "ديلويت" في تدقيق بيانات شركة "دارلينغ أوتونومي كورب" البريطانية للبرمجيات (technology darling Autonomy Corp) ، حينما أعطى شركة التكنولوجيا شهادة سلامة محاسبية لعامي 2009 و 2010، متجاوزاً مخالفات بالبيانات المالية بشكل مضلل، تستهدف تعظيم قيمة الإيرادات مع تصنيف التكاليف ذات الصلة بشكل غير صحيح على أنَّها نفقات مبيعات وتسويق. وهو

ما أدى "محاسبياً" لزيادة غير دقيقة في مجمل الربح.

وساهمت تلك البيانات المضلِّلة في الحفاظ على الانطباع أنَّ "أوتونومي" تعدُّ شركة "برمجيات خالصة" سريعة النمو، وذات هامش ربحية مرتفع، وهو تصوُّر كان جوهرياً في تقييم الشركة بسوق الأسهم، عندما استحوذت عليها شركة "إتش بي" لاحقاً، لتكتشف فيما بعد أنَّها تعرَّضت لعملية احتيال في تقييم الشركة.

تجاوزات ديلويت

كشفت رسائل البريد الإلكتروني التي تضمَّنتها أوراق القضية، أنَّ فريق "ديلويت" كان يعلم بوجود مشكلة في النهج الذي استخدمته أوتونومي في حساب الإيرادات، وتقدير التكلفة بالبيانات المالية عن الربع الثالث للعام 2009.

وقد لاحظ أحد مدققي الشركة تلك المغالطات، وهو يقوم بمراجعة طريقة العمل وقال: "شعرت أنَّه الوقت المناسب لاتخاذ موقف تجاه ما يحدث" ولكن في نهاية الأمر اعتمد الشريك الرئيسي المعالجة المحاسبية قبل اجتماع لجنة التدقيق في أتونومي.

وقالت المحكمة المستقلة التي نظرت في القضية: "إنَّ الموافقة على طريقة المعالجة المحاسبية بتلك الطريقة ترجع إلى التسرُّع، والضغط من العميل".

وأضافت المحكمة " ديلويت كانت تتشكَّك لمدة استمرَّت عشرة أيام على الأقل بشأن طريقة معالجة تكاليف شراء الأجهزة محاسبياً، ولكن في النهاية نفد الوقت". وركَّزت التحقيقات المطوَّلة على التدقيق المحاسبي لشركة "ديلويت" التي لم تنتهِ من عمليات مطابقة أعمال الشركة التابعة لمعاييرها حتى الآن.

وأوضحت "ديلويت" أنَّ ضوابط عمليات التدقيق والمحاسبة الخاصة تطوَّرت بشكل كبير منذ أن بدأت الشركة في الإشراف على أعمال أتونومي، وأنَّها مستمرة في التأكُّد من تطبيق تلك الضوابط.

كذلك أكَّد شريكان خضعا للعقوبات، التصرف في جميع عمليات التدقيق كافةً المرتبطة بتلك القضية بمهنية، وجدية، وبحسن نية، وأنَّهما يختلفان مع نتائج المحكمة.

ولكن للأسف، أصبح ذلك النوع من القضايا معتاداً ومتكرراً، فقد تعرَّضت "أوتونومي" لضغوط من المستثمرين لتلبية توقُّعاتهم بنمو الإيرادات، وهامش مجمل الربح. في المقابل، وتعرَّض مدقق الحسابات لضغوط للموافقة على منهجية محاسبية تحمل مخالفات جوهرية، في ظلِّ قوة ومكانة عميل شركة المحاسبة الذي يمثِّل شركة مدرجة في مؤشر فوتسي 100 FTSE كما أنَّ الشركة تعدُّ من كبار العملاء لدى مكتب "ديلويت" في كامبريدج.

ويثير ما خلصت إليه المحكمة بعض التعجب؛ فقد أكَّدت أنَّ الإشكالية الرئيسية تكمن في فقدان "الموضوعية".

كأس نبيذ وطبق معكرونة

أرسل شريك ديلويت الذي يقود فريق عمل التدقيق المستقل رسالة بريد إلكتروني إلى "اوتونومي" من البريد الإلكتروني الخاص بزوجته، يقول إنَّه "بعد كأس أو اثنين من النبيذ الأحمر"، وطبق من "المعكرونة العتيقة"، قام بنفسه بصياغة شرح للمعالجة المحاسبية المقترحة، الواجب إرسالها للمدقق المستقل. واستطرد قائلاً "كان يجب عليكم أن ترسلوا لنا ذلك الشرح للمعالجة المحاسبية". ويوضِّح ذلك جرم المدقق في إمداد العميل بحيل لتقديم أدلة داعمة للمحاسبة الخاصة به.

من الواضح أنَّ الغرامات التي فرضت على شريكا التدقيق، التي تبلغ 500 ألف جنيه استرليني (675.5 ألف دولار)، و250 ألف جنيه هي رادع لسوء السلوك. لكنَّ عقوبة "ديلويت" البالغة 15 مليون جنيه إسترليني سيتمُّ امتصاصها بسهولة، لأنَّ شركة من "الأربعة الكبار" في مجال التدقيق ببريطانيا لن تتأثر مالياً بسبب تلك الغرامة، ولكن يمكن فقط أن تتعرض لضرر، والسبب يكمن في هيمنتهم، التي تعني أنَّ تلك الضربات التي تؤدي إلى الاضرار بالسمعة لن توقف أرباحهم.

الفصل بين المدقق والعميل

وترسل تلك القضية علامات تحذيرية يجب الانتباه إليها؛ وهي كيفية الفصل بين المدققين والعملاء من خلال استكشاف قنوات تواصل تضع أعضاء فريق التدقيق دائماً تحت المراقبة من رؤسائهم مما يجعلهم غير قادرين على تجاوزهم، وتعدُّ خطوط الهاتف المجهولة أحد متطلبات قانون حوكمة صناعة التدقيق المحاسبي في بريطانيا، ويلتزم المديرون غير التنفيذيين لشركات التدقيق بتفعيلها، مع الإفصاح السنوي عن إحصاءات الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، تعزِّز كوارث التدقيق من ضرورة وجود منافسين جدد حتى لو بحجم أصغر إلى جانب "الأربعة الكبار". وهو ما اقترحته أكبر جهة لدعم المنافسة في المملكة المتحدة، ولا شكَّ أنَّ دخول لاعبين جدد سيدعم الموضوعية أيضاً.

ولابدَّ أن يدرك المدققون أنَّ عميلهم الرئيسي هو المستثمر، والمساهم بالشركة أيضاً، وليسوا المؤسسين والقائمين على الإدارة، وهو ما يتطلب ضرورة وجود تواصل بين العميل الحقيقي" المستثمر"و"المدقق". وكما أشارت المراجعة الأخيرة التي أجراها المصرفي السابق دونالد برايدون للقطاع التي لاتزال "قيد المشاركة" أنَّ عملية التدقيق تطلب من قبل المساهمين المؤسسيين، وبما أنَّها استمرت كذلك، فلا تتفاجأ إذا استمرت علاقة التدقيق بالشركات بهذا الشكل، لأنَّهم لا يرون أنَّ المستثمر هو العميل الذي يجب الحفاظ عليه.