لم يذهب الرئيس المكلف سعد الحريري في اجازة الاعياد، الى السعودية للقاء عائلته، اذ ما زالت ابواب المملكة موصدة بوجهه، بالرغم من محاولات ترميم العلاقة مع مسؤولين فيها، لا سيما ولي العهد الامير محمد بن سلمان، الذي ومنذ احتجاز الحريري في الرياض في 4 تشرين الثاني 2018، وتقديم استقالته منها، لم يعد الرجلان يلتقيان، اذ يجري تحميل رئىس «تيار المستقبل» مسؤولية تصاعد نفوذ ايران في لبنان، التي تمكن حليفها حزب الله من ان يأتي بالعماد ميشال عون رئىساً للجمهورية عبر تسوية معه عقدها الحريري، الذي مكن ايضاً حزب الله وحلفاؤه من ان يفوزوا بالاكثرية النيابية في الانتخابات الاخيرة، واعتز بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني.

بناء على هذه الوقائع رأت السعودية، انها خسرت لبنان عبر من اوكلت اليه تمثيل الفريق الحليف لها في السلطة، التي فقدت حضورها فيه، مع امتلاك حزب الله وحلفائه للثلث في الحكومات المتعاقبة، وحمّلت الحريري مسؤولية ما وصل اليه الوضع السياسي الداخلي في لبنان، اذ رأى المسؤولون في المملكة الانكفاء عن السياسة اللبنانية، فلم تعد ترسل الموفدين الى بيروت، وغاب من يتولى الملف اللبناني، والذي تولاه نزار علولا لفترة، وغادر سفيرها البخاري لبنان، وفي ظل ازمة سياسية واخرى مالية واقتصادية واجتماعية، هو بحاجة لدعم السعودية السياسي كما لمكرماتها، تقول مصادر متابعة للعلاقة اللبنانية السعودية، التي رأت بان المملكة لم يعد لها دور في لبنان، مع تقدم ادوار اخرى، اولها الايراني ثم التركي الذي بات له نفوذ وحضور واسع في الساحة السنية عبر «الجماعة الاسلامية» وقوى اخرى.

لذلك كان لافتاً، ان لا يقوم الحريري بزيارة السعودية، وانتقل الى ابو ظبي حيث وافته عائلته اليها ليلتقيها، في وقت كانت المملكة تشهد قمة خليجية، كان من المفترض ان يواكبها الرئىس المكلف، لاهمية المصالحة التي حصلت بين السعودية والبحرين والامارات ودولة قطر، وتأثيرها على المنطقة ولبنان منها، فظهر الحريري في تركيا وتمّ الترويج بانه يحمل رسالة الى رجب طيب اردوغان من زعماء خليجيين، ليتبين بانه ذهب لمتابعة مصالحه التجارية العالقة مع اسطنبول، من خلال شركة «ترك تولوكوم»، وفق المصادر التي لم تغيّب موضوع العلاقة التركية ـ الخليجية عن اللقاء، اضافة الى ما يمكن ان تقدمه انقرة في اعادة بناء ما تهدم من انفجار مرفأ بيروت.

فالقرار السعودي الابتعاد عن الوضع الداخلي اللبناني، متخذ، وهو كان مفاجئاً للاطراف اللبنانية، التي لم تر الرياض غير مهتمة بلبنان منذ اندلاع الحرب الاهلية فيه، وولادة اتفاق الطائف منها، اذ كان لها مساهمات عدة في حل الازمة اللبنانية، لكن في السنوات الخمس الاخيرة، بدأت بخطوات تراجعية، لان لم تجد لها حلفاء جديون في لبنان، وتحديداً من سعد الحريري الذي لم يكن على الموجة نفسها مع المملكة، فسار بما سماه «الواقعية السياسية»، ومقولة «ربط النزاع» مع حزب الله، الى «التسوية الرئاسية»، وكذلك الحفاظ على الاستقرار في لبنان، والتي رأى مسؤولون سعوديون، ان هذا السلوك ادى الى هيمنة حزب الله على القرار السياسي في لبنان، وفق ما يؤكد المسؤولون السعوديون، الذين قد عبروا عن ذلك من اعلى الهرم، الملك سلمان الذي اتهم حزب الله حليف ايران« بتخريب لبنان» كما قال في كلمته امام الامم المتحدة.

وهذا الانكفاء السعودي عن لبنان، وعدم الاكتراث للوضع السياسي فيه، والابقاء على مساعدات غذائية وتربوية، دفع بعض القوى السياسية، بان توجه رسالة الى ولي العهد السعودي، نشرها احد المواقع الالكترونية التي يشرف عليها احد النواب السنة السابقين، والذي كان مقرباً من الحريري، وهذه الرسالة تحث فيها المملكة، بان «لا تغيب في هذه اللحظات المصيرية والوجودية التي يصارع فيها مريدو الدولة والسيادة بشق الانفس على جبهتين ساخنتين، واحدة بمواجهة طبقة سياسية، وثانية في مواجهة المشاريع المسموحة العابرة للجغرافيا والخرائط، التي تقودها ايران التي تغرز عميقاً في خاصرة اللبنانيين الرخوة».

وتدعو الرسالة، السعودية الى «اعادة النظر والتطلع بصدق الى ان تكون السند للبنانيين الشرفاء من مسلمين ومسيحيين، وضرورة التضامن في مواجهة احتلال دولتهم سياسياً، ولمنع سيطرة حزب الله بالكامل على الدولة.

فالنداء الذي لم تغب افكار وتوجهات هذا النائب السني يغمز من قناة الحريري الذي يصفه بـ«الحامل والحالم» بما لا تتحمله بيئته لـ«الشيطان الواقعية السياسية»، اذ يتحدث النداء عن تسع مجموعات تضم نواب مستقلين وجمعيات وشخصيات، وقعت على بيان مشترك، يرفضون الاحتلال السياسي لدولتهم، وان للمملكة دور ان تهبّ لمساعدة هؤلاء، كما فعلت في العراق مع رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، الذي وقف في وجه «الحشد الشعبي» الذي تدعمه ايران، فكما تم دعم المقاومين العراقيين، فعلى المملكة دعم المقاومين اللبنانيين، بوجه الاحتلال السياسي للدولة من قبل حزب الله، واستعادة لبنان الى موقعه الطبيعي وان تتكل السعودية على القوى الحيّة في المجتمع لا الطبقة السياسية.

فهذا النداء يكشف عن ان هناك من يقدم نفسه بديلاً عن الحريري «الضائع»...