فتح رئىس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط باب الدعوة، لرحيل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي وصف عهده بالفاشل، وشن حملة عليه وعلى صهره، لم تخلُ من عبارات شديدة اللهجة لكن زعيم المختارة، لا يريد ان يأخذ بصدره المطالبة بأن يرحل عون من القصر الجمهوري، بل ترك ذلك «للبيت المسيحي» ليتدبر امره معه، وسمى البطريرك الماروني بشارة الراعي ورئىس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، ورئىس «تيار المردة» سليمان فرنجية، وغيرهم من القوى السياسية المسيحية، واشاد بالنائب السابق فارس سعيد، الذي كان سباقاً بالمطالبة باستقالة رئىس الجمهورية، المقيد بتحالفه مع «حزب الله»، كما اعلن سعيد نفسه، ان المطالبة باستقالة رئىس الجمهورية او رحيله وإسقاطه، ليس بالموضوع الجديد، اذ هو مطروح دائماً منذ اول رئىس جمهورية بعد الاستقلال بشارة الخوري، الذي قامت بوجهه معارضة باسم «الجبهة الوطنية الاشتراكية»، التي كان من اعضائها كمال جنبلاط وكميل شمعون وغسان تويني واحزاب وشخصيات، حيث تمكنت من خلال التحرك في الشارع والعصيان المدني، من فرض الاستقالة على رئىس مدد ولايته ست سنوات ولم يكملها فاستقال في نهاية ايلول 1954، ليخلفه مرشح الجبهة كميل شمعون وينتخب رئىساً للجمهورية، الا ان التمديد لم يفارقه، لكنه لم يتمكن وقد انخرط في حلف دولي ـ اقليمي اقامته اميركا لمحاربة الشيوعية، (مشروع ايزنهاور وحلف بغداد)، فقامت «ثورة» ضده، بعد اسقط زعماء في الانتخابات النيابية، منهم جنبلاط وصائب سلام وصبري حماده، اذ تشير مصادر سياسية، الى ان رئىس الجمهورية كما يصنع في الخارج، يرحل بقرار منه هذا ما حصل مع الرئيس الخوري الذي تخلت عنه بريطانيا لمصلحة شمعون الذي تركته واشنطن التي اتت ببوارجها واساطيلها الى لبنان وانزلت جيشها فيه، لمصلحة قائد الجيش آنذاك فؤاد شهاب، بعد اتفاق اميركي ـ مصري عليه.

فانتخاب واسقاط رئىس الجمهورية في لبنان، تفرضه ظروف خارجية، ومشاريع للمنطقة يتأثر بها لبنان، وهذا ما حصل مع غالبية رؤساء الجمهورية، الذين قلة منهم لا يتعدون الاثنين قدموا استقالاتهم من تلقاء انفسهم، ثم تراجعوا عنها، تحت ضغط المؤيدين لهم، كالرئىسين فؤاد شهاب والياس سركيس، اللذان جاءا الى الرئاسة الاولى من الوظيفة ويشبهان بعضهما في السلوك والاداء، وقد يكونان ارادا ايضا اختبار شعبيتهما ومدى التأييد السياسي لهما، فلم يحصل ان اقدم رئىس للجمهورية على الاستقالة، لا بل كان رؤساء الجمهورية يتطلعون دائماً الى التمديد والتجديد، او انتقال الرئاسة الى وريث.

وفي الدعوة الى استقالة او اسقاط الرئىس عون، ثمة استحالة ان تحصل، وفق المصادر، لان من يستقيل وفق الدستور هو الحكومة او رئىسها لانها هي من يتحمل المسؤولية كسلطة تنفيذية وليس رئىس الجمهورية الذي حدد الدستور الاسباب التي تفرض عليه الاستقالة او اقالته.

وليس مطروحاً ان يقوم الرئىس عون بتقديم استقالته لانه لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن الانهيار الذي وصل اليه لبنان، بل يرى ان ما حصل في عهده هو تراكم سنوات من الاداء السياسي الخاطىء، واداء الرئىس رفيق الحريري وسياسته المالية والاقتصادية، التي اعتمدت على الاستدانة بفوائد عالية مما راكم الدين العام وخدمته، وهذا سبب اساسي في وصول لبنان الى ما وصل اليه، يؤكد مصدر قيادي في «التيار الوطني الحر»، الذي يشير الى ان استقالة رئىس الجمهورية غير مطروحة، واذا دخلوا على ممعركتها، فالمواجهة ستكون ساخنة.

فالمطالبة باستقالة الرئىس عون، حق سياسي، لكل طرف، انما آلية التنفيذ تبدو غير متيسرة، اذ لا بدّ من غطاء مسيحي لم يتوافر بعد ولا يمكن لبكركي ان تؤمنه، وهو ما لم يفعله البطريرك الراحل نصرالله صفير، عندما قامت ضده حملة «فل»، فتصدى لها صفير كنسياً، فسقطت، وهو ما سيحصل مع الرئىس الحال، الذي لديه «تيار سياسي» الذي يتحرك في الشارع دعماً له، وقد يضعه في مواجهة قوى مسيحية، اذ ما غامرت بالمطالبة باستقالته، اضافة الى ان العماد عون له حليف وازن هو «حزب الله» الذي وقف معه مرشحاً لعامين ونصف العام، فلن يتركه في العامين المتبقيين من عهده، وهو ما زال على ثوابته الاستراتيجية مع المقاومة، كما لم تبرز دعوات خارجية لاستقالة عون او اسقاطه، بل ان الاهتمام الدولي هو لتشكيل حكومة تكون مهمتها انقاذ الوضع المالي والاقتصادي ووقف الفقر والبطالة.