ربيع الدبس


قد يكون الألم هو الحافز الأغنى للإدراك، كما رأى الروائي الروسي الأعمق دستويفسكي، لكن الشوق الأليم هو المصدر الأقسى للشعور بالفقدان. هكذا ينحفر في القلب قبل الذاكرة رحيلُ غالٍ مِن أرومة الأُصَلاء في زمنٍ مُهَجّن،فينسلخ أنطون إسبر من دوحة أسرته ورفقائه وبلدته ووطنه فتخسَر «بْدادا» وطرطوس، بل سورية الخصيبة كلها، جبلاً كحرمون ونهراً فياضاً يزامل العاصي، بل يسابقه في مشقةالدفق المُغاير.

من صافيتا إلى مشتى الحلو ، ومن بيروت إلى دمشق، تعَزّزَتْ علاقتنا الرفاقية بكيمياء الروح. أما الوفاء المُحِب فنَسَجَ صداقة لا تنفصم عُراها من الروابط المتينة والإحترام المتبادَل والوهج الذي لا يخبو ، وانعكستْ تلك المودات الراسخة على أفراد العائلتين جميعاً، فماذا أنت اليوم قائل وكيف ستخفف عن هؤلاء الأصفياء آثار الفجيعة ؟ أيها الوفيُّ طيلة الحياة، لماذا قَسَوتَ حين جاءت اللحظة الفاصلة عن استمرارك فيها؟

لم تكن رحلة الآلام للأمين أنطون إسبر مقتصرة على الأشهرالإستشفائية البطيئة من العام الماضي. فالمرض كالصحة من طبيعة الحياة: يومٌ لك ويومٌ عليك ، إلا أن المؤامرة الكونية التي استهدَفَتِ الجمهورية السورية وما رافقها من جاهليات غريبة عن شعبنا ، ومنسوبةٍ زوراً إلى الدِّين ، قد آذته أيّما إيذاء وراكَمتْ في صحته النفسية والجسدية زفراتٍ حرّى وجروحاً مفتوحة. صحيح أن دمشق صدّتِ المؤامرة بل هزَمتها، لكن الكلفة كانت باهظة بشرياً ومادياً وسياسياً. كانت سورية الأبية النازفة تسكن دمه وتسيل منه. وكم سكنَ وجدانَه قولُ الرجل الإستثنائي أنطون سعاده: «الحق ليس موجوداً في العالم إلا حيث توجَد نفوس تصون الحق».

وما كانت الخضّات الملازمة للحزب السوري القومي الإجتماعي أقلّ تأثيراً على إنسانٍ أدمن النضال الوعِر، وارتقى سُلّم المسؤوليات الحزبية الفرعية والمركزية ارتقاءً مستحقاً. فالروحية النهضوية عالية، والثقافة العَقَدية عميقة، والمناقبية سِرُّ فرادة، والعطاء السمح لامحدود.

بعضهم أخذ على الأمين أنطون إسبر ما اعتبروه نزعة إلى المبالغة في تحليل الحدث وفي الإستنتاج.والحق يقال إن الرَّجُل كان يمحّص ما يرى ويسمع ويلاحظ لكنّ الإنصاف يقتضي القول أنه كان في آرائه واقتناعاته واستقراءاته يعتمد إما الثقة المُطلقة أو التشكيك المُطلق.

أبا هاني...